محمد عبدالسميع (الشارقة)

الدعاء للوطن من أسمى أنواع الدعاء وأصدقه، ذلك أنّ إحساساً يتخللنا، بل ويجتاحنا بحرارةٍ ونحن ندعو له بأن تزداد رفعته وتتوالى إنجازاته، فكيف بهذا الدعاء الصادق الحار والمعبّر حين يصدر عن فارس القلم ومطوِّع الكلمات، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله... فلا يتوقّع القرّاء والشعراء من قصائده العذبة وآفاقه الواسعة إلا الإبداع والسّبق في مضمار الشّعر وأشواطه، وها هي قصيدة «عيد وطن» التي ترفل بالعزّ والجمال والرونق في كلّ أبياتها تضعنا بصورة الوطن الأغلى الذي نحب، وقد جاءت رائقةً رائعةً من مدادٍ لا ينضب من الحبّ والفرح بعامٍ جديدٍ من عمر هذا الوطن العزيز بقيادته الرشيدة، وباتحاده الذي أصبح نموذجاً من نماذج القوّة والمنعة والتكامل والتقدّم والازدهار.

الوطن الغالي الأشَمّ
هذه القصيدة الجميلة في موسيقاها السريعة، والمتدفّقة بحجم تدفّق العاطفة الجيّاشة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تُستهلّ بالدعاء وتمجيد ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه الجهود وتكاملت فيه الرؤى على تأسيس هذا الوطن الغالي الأشَمّ، دولة الإمارات العربيّة المتحدة، منذ أن أثمرت رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عن التطبيق الواقعي للرؤية العظيمة التي يفخر بها وبإنجازاتها كلّ إماراتيٍّ وعربيٍّ في رحاب الوطن الذي حقق في مدارج العزّ أعلى المراتب، فكانت «دار زايد» أغنيةً تتردد على شفاه الناس وفي وجدانهم وعقولهم، وكانت الرفعة لهذا البنيان العالي الذي نراه اليوم مُعانقاً للنجوم في الطموح والأمل والمستقبل المشرق، بإذن الله.

مجد الدولة
ولأنّها قصيدة وطنيّة، فعلاوةً على موسيقاها سريعة الوصول وتأدية الهدف الوطني، فإنّ لها هدفاً جماليّاً أيضاً، لا ينساه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهو يوشّيها بتشبيهات جميلة وقافية داليّة ساكنة في صدر كلّ بيت من القصيدة، التي تنتهي أيضاً في كلّ عجزٍ من هذه الأبيات بقافية مشبعة بالألف المنطلقة بعد الهاء، وهذه رؤية تُحسب لبناء هذه القصيدة في شكلها اللفظي ووقعها الموسيقي وتأثيرها الصّوتي، طالما أنّها تتغنّى بالوطن وتحتفي بمنجزاته، وهي مُنجزاتٌ تتأكّد بمفردات: العِلْم، والكرامة، والشّرف، التي يجمعها البيت بصورته الدّالة، حيث العِلْم ثابتٌ بنيانُه في أرض الوطن و«مرفوع العِماد»، أمّا الكرامة والشّرف فهما عنوان هذه المسيرة الرائعة، مسيرة الوطن، الدولة التي أرست كلّ هذا وباركتْهُ بالإخلاص للمشروع الوحدويّ الذي ما يزال يتواصل كأحسن ما يكون التواصل وأروع ما يكون البناء، وهذا البيت حين يأتي مرتبطاً بالبيت الذي سبقه، والذي يدلّ على ديمومة مجد الدولة إلى آخر الدهر، فهو تعبيرٌ ينمُّ عن تصميمٍ وعزمٍ وعدم تهاونٍ أو تردد؛ بل إنّه تعبيرٌ يدلّ على الثقة العالية بهذا المجد التليد والإنجاز البعيد في نوعه ووطنيّته: «مجدها دايم إلى يوم المعاد... راسخة مثل الجبال أركانها»؛ فهو رسوخٌ وثباتٌ يحمله ما للجبال من قوّة وصلابةٍ وثبات، فهي لا تتزحزح عن موقعها أو مكانها، ومثل ذلك الدولة التي لا تترخّص في رؤيتها ولا تخشى في سبيل تنفيذ هذه الرؤية أحداً؛ لأنّ لهذه الدولة أركاناً ومقوّمات، وهذا أيضاً يضعنا بصورة الوطن الذي حقق ما يدعم استمراره في أداء رسالته العظيمة في المنطقة والإقليم والعالم.

دانة الدنيا وجوهرتها
وذلك كلّه يجيء وفق صيغة إيمانيّة يقينيّة بالله عزّ وجلّ، فمنه التوفيق والعناية؛ وهو ما يؤكّد النَّفْس الواثقة بالله والمطمئنّة إلى وقوفه عزّ وجلّ مع هذا الوطن الذي ما يزال يعطي ويبذل لصالح عروبته وإنسانيّته بطبيعة الحال، فالإمارات التي تزداد سمعتها بالرغم من كلّ التحديات وظروف المنطقة، هي دانة الدنيا وجوهرتها، وهي الذّهب، وهذا دليلٌ على نصاعتها وطيب معدنها ومعدن قيادتها الرشيدة، وهي التي لا تغلق باباً في وجه زائرٍ أو ضيف، ومن هنا جاء هذا البيت الجميل والمعبّر ليحمل هذا المعنى الكبير: «دانة الدّنيا وذهبها بالحياد... فاتحة لزوّارها بيبانها»، ولعلّ في تأويل معنى الأبواب التي تفتحها هذه الدولة لضيوفها ومحبيها ما يدلّ على معنى الاتحاد الذي به تتغنّى الدولة والناس والعرب والعالم، فهي دانة تجمع سبع داناتٍ كانت أبوابها مفتوحةً لقاصديها على الدّوام، وهذا ما يؤكّد ديمومة الدولة بكلّ إماراتها على الكرم والعطاء واحترام الضّيف.

قائد عظيم وربّان حكيم
إنّ هذا الوصف المُحبّ، والذي هو تأسيسٌ لمدح شخصيّة القائد العظيم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة.. يكتمل في القصيدة كتصويرٍ ينبني على ما قبله، في معنى السّعادة التي يشعر بها شعب الإمارات المُتّصف بالسّداد والحكمة والعقل والثقة بمصلحة البلاد.. السعادة التي يشعر بها أيضاً كلّ مقيمٍ على أرضها، وهنا فإنّ الصورة الجميلة بالشعر تجعلنا نقف على المعنى الكبير الذي يريده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين يشبّه الوطن أو الدّولة بالسفينة؛ والسفينة كما نعلم هي تشاركيّة والجميع فيها معنيٌّ بالحفاظ عليها وحمايتها، فهي نصيحة تضمّنها البيت، ولكنّ لهذه السفينة قائداً عظيماً وربّاناً حكيماً هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وهو الذي يقودها بمهارة القائد الحكيم والعقل السديد والرؤية الواضحة نحو بلوغ الأمان ونحو الشّط بكلّ ثقةٍ واقتدار.

السفينة/‏‏‏‏‏‏‏ الوطن، والربّان/‏‏‏‏‏‏‏ القائد
ويحيلنا معنى السّفينة/‏‏‏‏‏‏‏ الوطن، إلى أنّ هناك أعاصير وأنواء ورياحاً عاتيةً لابدّ من تجنّبها والنظر في خطورتها وتوجيه السّفينة لتجاوزها بعد إدراك خطرها، وهذا المعنى يضعنا أمام صفة الحِكمة التي يتميّز بها الربّان/‏‏‏‏‏‏‏ القائد، كما تبرز روعة هذا البيت من حيث المقاربة الشعريّة بين السفينة/‏‏‏‏‏‏‏ الوطن، والربّان/‏‏‏‏‏‏‏ القائد، والأنواء والأعاصير والرياح العاتية/‏‏‏‏‏‏‏ الأزمات السياسيّة والتحديات الاقتصاديّة والإنسانيّة... فهو معنى كبير وتصوير رائع في هذه القصيدة المبنيّة والمسبوكة في شكلها ومعانيها أروع السّبك وأقوى البناء.

صفات القائد الحكيم
وفي البيت السّابع من قصيدة «عيد وطن»، ندعو مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، للقائد «بوخالد» زعيم البلاد وشيخها و«جيدومها» وأمانها، وما أجملَ أن يجمع البيت في شقّه الثاني، وعلى رونقٍ موسيقيٍّ واحدٍ ومميّز، أكثر من صفة لهذا القائد الذي هو: «شيخها وجيدومها وأمانها»، وما أجمل الضّمير المتصّل بهذه الألفاظ والدّال على الوطن/‏‏‏‏‏‏‏ الدولة/‏‏‏‏‏‏‏ البلاد، لنسير في الأبيات التالية من القصيدة في الفرحة بصفات القائد الحكيم، صاحب السياسة الثابتة، الواضح في رؤيته والصّادق في تعامله، والذي يؤمن أشدَّ الإيمان ويثق أكبر الثّقة بالوطن والشّعب عنواناً لهذه السياسة التي ينتهجها، وهذا دليلٌ كبيرٌ على معنى حالة الانسجام والوحدة القائمة بين القائد والشعب. ومن ثمّ نكون أمام صورة الجيوش، وهو دليل كثرة وقوّة، فلم ترد كلمة جيش؛ لأنّ المعنى هنا وفي كلّ القصيدة هو معنى افتخار كبير وإبراز قوّةٍ باسلة وإظهار عزمٍ شديد، لنكون مع صورة الجيوش التي تبذل أنفسها وأرواحها دفاعاً عن الوطن، وحمايةً له ولمكتسباته، خصوصاً في «يوم الجِلاد»، والمقصود بـ«الجِلاد» هنا اليوم الشديد، وفي ذلك تأكيدٌ لقوّة الدولة في جنودها المخلصين الأشدّاء، ومعروفٌ في معاني البذل والعطاء أن أقوى أنواع البذل هو بذل الروح أو النفس، وينطبق على ذلك قول العرب «والجود بالنفس أقوى غاية الجودِ».

علوّ المكانة والسّمعة الطيّبة
وتستمر القصيدة على هذا الدفق والانسياب والقوّة في الآن ذاته، وهي تعرض مقوّمات الدولة الماديّة والمعنويّة، في علومها، واقتصادها، وهو ما يُحسب للوطن وقائده الذي رفع مجدها وشأنها إلى حيث «المرِّيخ»، كنايةً شعريّةً عن علوّ المكانة والسّمعة الطيّبة التي حققتها هذه القيادة الرشيدة التي تولي الإنسان كلّ الاهتمام، وتُكبر في المخلصين إخلاصهم وتشجّعهم عليه، وما ذاك إلا لأنّ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد هو صاحب نظرةٍ حكيمة واستشراف وفراسة، يدفع إلى الإنجاز والابتكار والإبداع، ولا يطيق أهل الكسل والفساد؛ وفي هذا المعنى، شعريّاً، تجيء الصّورة الشّعريّة متناسبةً مع الحالة قيد الكتابة، فحين تزين الأفعال الطيّبة، فإنّ ضدّها من الكسل والفساد هو ما يشين، وهذا ما لا يكون له إلا صلابة وقوّة ومحاربة أكيدة لهذا الوباء الاجتماعيّ المتمثّل بصفتي الكسل والفساد، وهما صفتان لا تناسبان طموح القيادة الرشيدة التي تدفعنا إلى كلّ إنجازٍ وعطاء، ومن هنا جاءت صورة العقاب القاسية والشديدة والرادعة، حيث «منه ترجف مِ الحفوز أبدانها»، وهو تصويرٌ قويٌّ وهادر، يضع الأمور في نصابها والنقاط على حروفها في ما يتعلّق بردع تلك الفئة من الناس، فالقائد ليّن وشفوق ومُحب للخير ودائم التشجيع للمخلصين، ولكنّه في المقابل لا يتهاون مُطلقاً حين يتعلّق الأمر بالمساس بالوطن أو الإساءة إليه.

افتخار بالوطن العزيز
إنّ «بوخالد» هو راعي الطولات، وهو الذي علّا وشاد صرح الدّولة، وهو الحامي لميدانها، وهو راعي الصّولات حين يستدعي الأمر ذلك، وهو الذي تتوافر بين يديه الجيوش الكاسرة لكلّ المعتدين.. فهي تهنئة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للقائد العظيم في عيدٍ وطنيٍّ هو من أغلى الأعياد وأسماها، وبقصيدة مُجوّدة في أوزانها وموسيقاها ومعانيها ودفقاتها الوطنيّة، بأنفاس المحبّة والافتخار والاعتزاز الدائم والكبير بهذا الوطن العزيز، الإمارات.