يوسف البستنجي (أبوظبي)

أدت جائحة كوفيد- 19 إلى رسم ملامح جديدة لخريطة الاستثمارات الاستراتيجية المتوقعة في المرحلة المقبلة، والتي ستنعكس حتماً على توجهات البنوك؛ ما سيدفع السيولة باتجاه قطاعات استراتيجية رئيسية كان بعضها هامشياً حتى الآن، بحسب خبراء ماليين. ويرى هؤلاء الخبراء أن 10 قطاعات رئيسية أصبحت معالمها واضحة حتى الآن ضمن استراتيجية التنمية في دولة الإمارات بعد كورونا، هي: الصحة، صناعة الأدوية والأبحاث المتصلة بها، الصناعات الغذائية، الإنتاج الزراعي والحيواني، قطاع تحلية المياه، التسويق الإلكتروني، التعليم الرقمي، تكنولوجيا المعلومات، شركات الدفع الرقمي، وشركات التوصيل والنقل والتخزين. وأكد الخبراء لـ«الاتحاد» أن الجائحة، ورغم أنها حدث طارئ وغير متكرر، فإنها أدت إلى تغيير جوهري في النظرة المستقبلية، التي سيبنى عليها توجهات استراتيجية جديدة في سياسات التمويل المصرفي والتركزات الائتمانية، لتعيد توجيه السيولة نحو قطاعات جديدة ذات أهمية حيوية للدولة، الكثير منها كانت حصته من التمويل المصرفي هامشية حتى الآن، في السوق المحلية.

وتظهر بيانات صادرة حديثاً عن مصرف الإمارات المركزي، أن إجمالي التمويل المصرفي الممنوح من البنوك بالدولة لقطاع الزراعة، لم يستحوذ على أكثر من 0.09%، أي أقل من 1 بالألف فقط من إجمالي محفظة التمويل المصرفي، حتى نهاية الربع الأول من 2020، بقيمة إجمالية لم تتجاوز 1.54 مليار درهم.
وأما رصيد التمويل التراكمي الممنوح لقطاع الصناعات الغذائية، فلم يتجاوز 6.5 مليار درهم حتى نهاية الربع الأول من 2020، وذلك مقارنة مع قطاعات التمويل الرئيسية حتى الآن، مثل قطاع العقار والإنشاءات الذي بلغ رصيد التمويل المصرفي الممنوح له 320 مليار درهم، أو ما يعادل 20% من إجمالي التمويل المصرفي بالدولة بنهاية الربع الأول من 2020.

ظاهرة غير اعتيادية 
وقال الدكتور إبراهيم الكراسنة، الخبير في صندوق النقد العربي: إن جائحة كوفيد- 19 تعتبر ظاهرة غير اعتيادية وغير مسبوقة أيضاً، وهي تصنف ضمن المخاطر غير المتكررة بالنسبة للتمويل المصرفي.
وأضاف: مع ذلك، يتوقع أن تؤدي إلى تغيير جوهري في خريطة التمويل المصرفي وتوجهات البنوك خلال المرحلة المقبلة.
وأكد الدكتور الكراسنة أن القطاعات التي يتوقع أن تزداد جاذبيتها للتمويل المصرفي، هي قطاعات الصحة والأغذية والتكنولوجيا بشكل أساسي، مبينا أن هذه القطاعات هي التي تستطيع أن تعمل وتستمر بالإنتاج، دون توقف في جميع الأوقات، بما في ذلك في وقت الأزمات، كما حصل في حالة جائحة كوفيد- 19.
وأما القطاعات التي يمكن أن يتأثر تمويلها سلباً، أو تنخفض حصتها من إجمالي التمويل المصرفي في المرحلة المقبلة، فهي القطاعات التي يعتمد مردودها المالي على العمل اليومي مثل الفنادق والمطاعم والشركات الصغيرة، والتي أظهرت الجائحة أنها أكثر عرضة للمخاطر.
ولفت الدكتور الكراسنة إلى أنه من الضروري أن يستمر الاتجاه نحو عمليات الدمج في السوق المصرفية المحلية لدولة الإمارات، مشيراً إلى أن عمليات الدمج التي حدثت، أدت إلى تأسيس كيانات مصرفية عملاقة قوية وذات ملاءة مالية عالية وقاعدة رأسمال تستطيع أن تتحمل آثار الأزمات وتتعامل معها بقوة وفاعلية.
وأكد أن استكمال العمل بمنهج الدمج للمصارف الصغيرة والمتوسطة بالدولة، من شأنه أن يؤسس لكيانات مصرفية أخرى كبيرة قادرة على تقديم التمويل اللازم للمشاريع الاستراتيجية، والحصول على السيولة اللازمة لتلبية احتياجاتها بتكلفة منخفضة وتنافسية.

توجهات البنوك 
بدوره، قال محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات والعملاء في شركة الظبي كابيتال: إنه مما لا شك فيه أن توجهات البنوك وقراراتها التمويلية ستتغير خلال المرحلة المقبلة، بناء على الآثار التي خلفتها جائحة كوفيد- 19، لكنه أوضح أن سياسة الائتمان المصرفي بالدولة عامة، ستكون مجبرة خلال المرحلة المقبلة على التعامل مع السوق، انطلاقاً من نقطتين رئيسيتين: الأولى أنها ستكون مجبرة على وضع برامج وتبني حلول ضرورية لازمة للحفاظ على استمرارية الشركات المدينة والمقترضة في القطاعات التي تأثرت بالجائحة خلال الفترة الماضية، مثل الفنادق والمطاعم والكثير من الشركات التي توقفت أعمالها خلال مرحلة الإغلاق، وهذا يتطلب إعادة جدولة للقروض ومنح تسهيلات معينة وإجراءات تساعد الشركات على النهوض من جديد، حتى لا تتحول هذه القروض إلى ديون معدومة أو مشكوك في تحصيلها، وتصبح بذلك عبئاً على البنوك وعلى القطاع المصرفي عامة، وتحد من قدرته على التمويل في المرحلة المقبلة.
وأوضح ياسين أن هذا الأمر يتطلب تنسيقاً بين البنوك والمصرف المركزي، لتوفير السيولة اللازمة وإعادة توزيع التركزات الائتمانية وتغيير حدودها بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة. ولفت إلى أن قطاع الفنادق والمطاعم وبعض الخدمات بحاجة لإعادة جدولة ديونها لفترات أطول، حتى تتمكن من الاستمرار.
وأما النقطة الثانية، فقد أوضح ياسين أن الجائحة دفعت لتغيير جوهري في توجهات السياسة الاقتصادية والاستثمارية الحكومية عامة، في دولة الإمارات، مشيراً إلى أنه رغم أن الأمن الغذائي كان على الدوام من أولويات الحكومة، فإن الجائحة سرعت في اتخاذ خطوات ملموسة وكبيرة باتجاه تحقيق الهدف في وقت أسرع بكثير مما كان عليه سابقاً. وقال: من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة إطلاق مشاريع إنتاج زراعية وغذائية عملاقة، بمشاركة شركات حكومية أو شبه حكومية مع القطاع الخاص في الدولة، وهذا القطاع سيحتاج إلى تمويلات مصرفية ضخمة بالمليارات خلال المرحلة المقبلة، ولذلك فإن قطاع الإنتاج الزراعي والصناعة الغذائية أصبح اليوم تحت «مجهر» مسؤولي الائتمان في البنوك العاملة بالدولة. كما بين أن الاستثمارات التي تحظى بأولوية خلال المرحلة المقبلة متعددة ومنها، قطاع الصحة، وشركات التوصيل الداخلية وما شابه.
ولفت ياسين إلى أنه من الواضح أن التوجه في هذه القطاعات مبني على قاعدة أن تكون هذه الشركات إماراتية، أو مملوكة لشركات شبه حكومية أو خاصة أو مشتركة بين القطاعين، ومقرها الدولة، حتى يمكن إعطاء الأولوية في خدماتها ومنتجاتها للسوق المحلية، خلال الأزمات في حال حدوثها. وأكد ياسين أن الشركات شبه الحكومية التي سيقع على كاهلها تنفيذ الاستراتيجيات الجديدة، في القطاعات الاستثمارية المستهدفة، سيكون لها الحصة الأكبر من التمويل المصرفي خلال المرحلة المقبلة.

أولويات الاستثمار
 من جهته، قال أمجد نصر، خبير الصيرفة الإسلامية في دولة الإمارات: إن التمويل المصرفي عامة سيذهب باتجاه القطاعات التي يتوقع أن تحقق نسب نمو كبيرة خلال المرحلة المقبلة. وأوضح نصر أنه نتيجة للأزمة الطارئة التي نتجت عن جائحة كوفيد-19، وتغيير أولويات الاستثمار بالدولة، فإن القطاعات التي يتوقع أن تكون محط اهتمام البنوك والقطاع المصرفي عامة، هي: القطاع الطبي، صناعة الأدوية والأبحاث العلمية المتعلقة بها، الإنتاج الزراعي والحيواني، الصناعة الغذائية، تحلية المياه، التعليم الرقمي، التسويق الإلكتروني، شركات تكنولوجيا المعلومات، شركات الدفع الرقمي، وشركات التوصيل.
ولفت نصر إلى أن البنوك عامة تقوم بمتابعة ما يجري بالسوق المحلية عن كثب، وتجري الدراسات وتجمع المعلومات، حول توجهات الاستثمار والقطاعات المستهدفة، وعامة تعد العدة لكي تحظى بحصة من تمويل المشاريع الموثوقة والمربحة. وبين نصر أن بعض الأبحاث المشجعة في المؤسسات الطبية المحلية حول إمكانية التوصل إلى دواء أو لقاحات مضادة لفيروس كورونا، أو غيره من الفيروسات والأمراض، يعتبر حقلاً ذا أهمية كبيرة جداً للاستثمار ومحفزاً للتمويل من قبل البنوك بالدولة.
وقال: إن تحقيق نجاحات في هذا المجال، سيشكل منطلقاً لتغيير جذري في سياسة التمويل والائتمان لدى القطاع المصرفي بالدولة.
وبين نصر أن بعض البنوك قد تدخل في استثمارات مباشرة في شركات واعدة في القطاعات المستهدفة في الأغذية أو الزراعة أو القطاع الطبي أو غيرها، وقد تعمل البنوك على تأسيس صناديق تابعة لها، أو ممولة جزئياً منها، للاستثمار في هذه القطاعات خلال المرحلة المقبلة. وأوضح: أن التمويل المصرفي سيتخذ عدة أشكال وأدوات، ولن يتوقف عند حدود التمويل التقليدي عبر تقديم قرض بضمانات فقط. وقال: إن هذه الأزمة الناتج عن جائحة كوفيد- 19 فتحت الآفاق لخلق فرص جديد للاستثمار، وبالتالي فرص جديدة للتمويل في قطاعات كانت هامشية بشكل عام. ولفت إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مديري ائتمان وتمويل غير تقليدين في القطاع المصرفي بالدولة، قادرين على قراءة السوق والخيارات، واتخاذ قرارات تتناسب مع الاستراتيجيات الجديدة للاستثمار.