استعرضنا في الأسبوع الماضي أهمية وجود إطار تشريعي دولي لنمو الابتكارات والتقنيات الجديدة، والحاجة لتضييق الفجوة بين التشريعات والابتكارات التقنية، أما على المستوى الوطني، فالأمر لا يقل أهمية وقد تكون الخطوة الأولى للتعامل مع هذه الفجوة هو تشكيل فريق عمل أو لجنة من أشخاص يتمتعون بخبرة قانونية وفنية واقتصادية كبيرة لحصر هذه التعاملات الجديدة، وترتيبها في أولويات وفقاً لأهميتها لاقتصاد البلد، ومن ثم حصر حجم الفجوة التشريعية، واقتراح مدونة سلوك للتعامل معها مع التركيز على حماية تنافسية الدولة والمستهلكين فيها، فإذا قام شخص على سبيل المثال، بشراء إحدى المنتجات المصنعة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد وفق مواصفات معينة أعلن عنها المصنع أو الطابع، وبعد الشراء اكتشف المشتري أنها غير صالحة للاستخدام لوجود خلل فيها، فهل المسؤولية تقع على المصنع الذي انتجها باستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد، أو على الشركة المطورة لنظام الطباعة المستخدم، أو بسبب المواد التي وضعت في الطابعة؟ مثل هذه الخلافات يتطلب حلها وضع نوع من التوجهات في القانون، أو مدونة السلوك، التي توضح مسؤولية كل الأطراف المشاركة في عملية الطباعة، فالقانون يفترض أن يضع قواعد للاستخدام وأسسا لحل الخلافات حتى يستطيع مطور هذه التقنيات والتعاملات الجديدة والمستخدمين لها إدخال التعديلات اللازمة، لتكون متوافقة مع أحكام القانون وشروط الاستخدام، وبالمثل، إذا رغبت إحدى الدول بوضع تشريع لتنظيم استخدام السيارات ذاتية القيادة، فيمكن أن يتضمن هذا التشريع تحديد منطقة معينة أو شوارع معينة أو حتى سرعة معينة يسمح فيها بتفعيل نظام القيادة الذاتية، فإذا وقع حادث في هذه المنطقة، فتكون المسؤولية على الشركة المطورة للنظام، وليس على الشخص الراكب في السيارة، وذلك لأن نظام القيادة الذاتي فشل في أداء المهام التي أعلن عنها المطور للنظام، أما إذا وقع الحادث خارج المنطقة المخصصة أو الشوارع المعينة أو أثناء القيادة بسرعة أكبر من تلك المحددة، فإن المسؤولية تقع على السائق أو المشغل للسيارة لمخالفته لتعليمات استخدام نظام القيادة الذاتية. 
باختصار، صياغة تشريع لتنظيم التعاملات الجديدة يتطلب دوراً أكثر فعالية لتوجيه مطوري التقنيات، وتحميلهم مسؤولية ما يعلنون عنه على نحو يحمي مصالح الدولة والمستهلكين فيها، ولا يمنع نمو هذه التقنيات والتعاملات الجديدة، فالمسؤولية والعملية التشريعية يفترض أن تكون مشتركة بين الجهات التشريعية، وتلك المطورة لهذه التقنيات وأن لا يقتصر الأمر على التسليم بمخرجات هذه التقنيات الحديثة، ومحاولة إيجاد حلول في حالة وقوع خطاء أو ضرر معين من استخدامها، فالتشريع الصحيح على المستوى الدولي أو الوطني لا يمنح نمو التقنيات أو تطورها، ولكن يمنع من أساء استخدامها أو المبالغة في تقدير قدراتها.

* د. مطر النيادي
مستشار في القانون الدولي العام