تحدثنا في مقال سابق عن وجود رأي وسط بين فقهاء القانون الدولي بشأن تكييف الهجمات السيبرانية، هذا الرأي يسلم بأنه لا يمكن في حالات معينة تجاهل الآثار المترتبة على الهجمات السيبرانية، وأن هذه الآثار قد تصل في بعض الأحيان إلى مستوى التعرض لهجوم مسلح. لذلك اتجه أصحاب هذا الرأي إلى اقتراح عدد من المعايير في الهجمة السيبرانية حتى يمكن تكيفها بأنها تعادل استخدام القوة العسكرية وتبرر بالتالي اللجوء إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. هذه المعايير ترتبط بآثار الهجمة السيبرانية على الدولة المستهدفة ومدى جسامتها، فإذا ترتب على الهجمة السيبرانية وقوع أضرار مادية أو بشرية جسيمة في المنشأة المستهدفة بصفة فورية، فإن هذه الهجمة يمكن أن تؤسس لادعاء الدولة المُستهدفة بأنها تعرضت إلى اعتداء، وأنها تمتلك حق الدفاع عن النفس باستخدام مختلف الوسائل بما فيها القوة العسكرية وفقاً لنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. فحدوث هجمة سيبرانية على سبيل المثال في محطة إنتاج غاز طبيعي أو مصفاة نفط ونتج عنه حدوث دمار وخسائر بشرية في المنشأة المستهدفة نتيجة للهجمة السيبرانية التي قامت بها جهات مرتبطة بدولة أخرى، يبرر للدولة المستهدفة الادعاء بتعرضها لاعتداء مُتعمد من تلك الدولة. فمجرد فقدان بيانات حساسة أو توقف المنشأة عن العمل لوقت معين أو سرقة أسرار عسكرية أو صناعية أو عدم وقوع دمار مادي ملموس لا يرقى إلى تصنيف الهجمة على أنها تدخل في مفهوم القوة. وبالمثل، في حالة تأخر وقوع الدمار المادي للمنشأة عن وقت حدوث الهجمة السيبرانية على نحو يفسر بانتفاء الفورية أو السببية بين وقوع الهجمة السيبرانية وحدوث الآثار المدمرة للمنشأة المستهدفة، فإن هذه الهجمة لا يمكن أن تصنف على أنها نوع من استخدام القوة، فجسامة الضرر الواقع والفورية في وقوعه بسبب الهجمة التي نفذت من جهات مرتبطة بدولة ما، تعتبر معايير مقبولة لدى عدد من فقهاء القانون الدولي في تصنيف الهجمة السيبرانية على أنها نوع من القوة وفقاً لنص المادة 4/‏2 من ميثاق الأمم المتحدة.
كما سبق وأن ذكرنا أن هذا الأمر من المسائل الجديدة التي لا يوجد فيها حتى الآن توافق واضح على تصنيف الهجمات السيبرانية، وسيتطلب الأمر وقتاً من الزمن لصياغة تناسق في مواقف وممارسات الدول والوصول إلى موقف قانوني واضح بشأن تصنيف الهجمات السيبرانية ونوعية الردود المشروعة من الدول التي تتعرض لمثل هذه الهجمات. ولكن أصبح من المسلم به بأن بعض الهجمات السيبرانية المتعمدة ممكن أن تصل إلى حد الاعتداء المسلح بالنظر إلى حجم الدمار والخسائر المادية والبشرية التي ممكن أن تحدثه وبالتالي تبرر اللجوء إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

* د. مطر النيادي
مستشار في القانون الدولي