حسونة الطيب (أبوظبي)

بين الإثارة والخوف والحيطة وترقب ما سيكون عليه المستقبل، كان استقبال الناس للذكاء الاصطناعي، الذي يعني أداء الأجهزة لأشياء يمكن أن يقوم بها العقل البشري.
بهذا التعريف، لا تخلو هذه الأجهزة من قيود كثيرة، حيث إنها لا تملك الوعي والإدراك وفهم السياقات اللغوية، كما أنها مقيدة من الناحية التشغيلية، بالبيانات التاريخية التي تعلمت منها لتقتصر على العمل ضمن معايير محددة. وتعجز الأجهزة القادرة على التغلب على البشر في بعض الألعاب المعقدة، أمام تشخيص مرض السرطان أو قيادة السيارة، ما يعني عدم مقدرتها على إحلال العنصر البشري في المستقبل القريب، لكن ذلك لا يقلل من قيمتها. ونظراً للتطورات في التكنولوجيا العصبية وجمع البيانات، بالإضافة لزيادة قوة الحوسبة، يساعد الذكاء الاصطناعي، على تعزيز وتبسيط العديد من الأنشطة البشرية.
ومن المرجح، أن يهيمن الذكاء الاصطناعي، على عمليات التصنيع المتكررة وأداء الأعمال الروتينية التي تتطلب اللغة والتعرف على الأنماط، فضلاً عن المساعدة في تشخيص الأمراض ومعالجتها. كما أن استخدامه بكفاءة، يساعد في زيادة معدلات الإنتاج والخدمات.

وللمقدرة على المنافسة، يترتب على الشركات، التفكير المبدع، حول كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في استراتيجياتها.
ويترتب على أي نشاط من النشاطات التجارية يخطط لتبني الذكاء الاصطناعي بأي درجة من درجات النجاح، توفير استراتيجية تتسم بالفعالية وتوحيد الرؤى والتحكم المركزي، كما ينبغي، إعادة تصميم المهام، للدمج بين خبرات الأجهزة والعاملين.
وتتمتع الشركات المعززة بالذكاء الاصطناعي، بمستويات أداء أفضل بنسبة 28% مقارنة بمنافساتها الأخريات، وفقاً لفاينانشيال تايمز.
من المحتمل أيضاً، أن تحتاج أنظمة تكنولوجيا المعلومات، إلى إصلاح جذري لتعمل في عالم الذكاء الاصطناعي، وستكون تلك التي تم إنشاؤها في البداية، أكثر فعالية من الإضافات إلى البرامج الحالية.
ومع أن التكلفة ربما تكون باهظة، إلا أن التكلفة الهامشية لنظم الذكاء الاصطناعي، قليلة نسبياً فور عملية البناء، ويتم تعويضها بإمكانية مساعدة الذكاء الاصطناعي في تقليص تكلفة تقديم الخدمات القانونية.
وبجانب التركيز على الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة، التي شجعت عليها أزمة كوفيد-19، تبرز الحاجة للمزيد من المراقبة الأخلاقية بشكل رسمي على مستوى مجالس الإدارة، للتأكيد على أن تطبيق الذكاء الاصطناعي، يتلاءم مع قيم الشركة.
وليس ببعيد، أن يشهد المستقبل القريب وظيفة رئيس قسم الأخلاقيات.

التوظيف 
مازال هاجس استيلاء الذكاء الاصطناعي على الوظائف، يطارد الجميع، بيد أن الرأي العام السائد يقول، إن تبنيه يسهم في الغالب، في تغيير طبيعة الوظائف وطريقة القيام بها.
وفي تقريره عن مستقبل الوظائف، أشار المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أنه في حين يستولي الذكاء الاصطناعي على 75 مليون وظيفة، يوفر في المقابل 133 مليوناً، لتتأقلم مع التقسيم الجديد للعمل بين البشر والأجهزة والعمليات الحسابية.
وفي حين أن بعض الوظائف، قابلة لإعادة الهيكلة والأتمتة، يمكن تخصيص مهام جديدة للبشر، طالما أنهم قادرون على اكتساب مهارات جديدة.
تعتبر الوظائف ذات الطابع الاجتماعي، مؤمنة لحد كبير، فبينما تهدد الأتمتة، محلات الوجبات السريعة، فإن المطاعم الراقية حيث تجتمع الأسر، بعيدة عن يد التغيير. وفي الوقت الذي زاد فيه اعتماد الأعمال على الذكاء الاصطناعي، باتت قضية إعادة توزيع الوظائف، حقيقة لا مفر منها.

مهارات ضرورية 
ولمجابهة التغيير الذي يطرأ على المهارات، من الضروري إعادة تدريب العاملين.
وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، تتطلب نحو 50% من القوة العاملة في كافة القطاعات، نوعاً من أنواع التدريب، للتأقلم مع التغيير في أنماط العمل التي فرضها الذكاء الاصطناعي.
من الواضح، أن وباء كورونا سرع من وتيرة تبني عمليات الأتمتة، خاصة في مراكز الاتصال، التي تشكل جزءاً من خدمات التعهيد، القطاع الذي ناهز 25 مليار دولار في الفلبين في 2018.

تجهيز الطعام
كما تواجه أدوار تجهيز الطعام، مخاطر حقيقية في ظل انتعاش الأتمتة إبان فترة الوباء.

الخدمات المالية 
حقق الذكاء الاصطناعي، انتشاراً واسعاً في قطاع الخدمات المالية، حيث تبنته أكثر من 30% من مؤسسات التمويل في مجالات من رؤى العملاء إلى كفاءات تقنية المعلومات.
كما نجح تحليل المعلومات بالفعل، في كشف عمليات الاحتيال. وفي العام 2018، أشار جامي ديمون، المدير التنفيذي لبنك جي بي مورجان، إلى أنه وبجانب مقدرة نظام أجهزة التعلم الآلي، على إضافة فوائد قدرها 150 مليون دولار سنوياً، ساعد أيضاً في الموافقة على مليون من العملاء الجيدين، الذين كان من الممكن رفضهم بدونه، وعدم قبول عدد مشابه في ذات الوقت.

أسواق الأسهم
يقدم الذكاء الاصطناعي، فوائد كبيرة في تحليل أسواق الأسهم، حيث تتسم أنظمته للتعرف على الأنماط بالتعقيد، إضافة إلى أنه يساعد في زيادة القيمة وتحسين الإنتاجية.
كما تستخدم بعض أدواته، في توقع أداء الشركات بعد الطرح الأولي العام، بجانب مراقبته لتداولات المدراء وتحليل اللغة في محاضر الاجتماعات.
وفي مجال الخدمات المهنية، طبقت شركات القانون، عمليات التعرف على اللغة بهدف تقييم العقود وتبسيط المراجعات في القضايا وتحليل الأحكام. ويرى بعض خبراء القانون، أن معظم عمل المحامين، ستقوم به أجهزة الذكاء الاصطناعي في المستقبل، ما ينجم عنه تعقيدات حول كيفية تعيين المحامين وتدريبهم.
وفي الرعاية الصحية، تعرف الذكاء الاصطناعي، على حلول جديدة للعقاقير، وتسهيل اختيار المتطوعين لإجراء الاختبارات الطبية، بجانب مراقبة المرضى من ذوي الحالات الحرجة.

قطاع الاستهلاك
وفي قطاع الاستهلاك، تم تطبيق تحليل البيانات واللغة، بغرض تطوير تطبيقات الترجمة وتسويق المنتجات والمحتوى. كما يسهم في تحديد حالات تفشي الأوبئة والمصادقة على الأوراق الأكاديمية.
أما في مجال الطاقة، فقد حققت شركة إيبردرولا الإسبانية، فوائد كفاءة، عادت بالمنفعة للشركة والبيئة، حيث تستخدم الشركة الذكاء الاصطناعي، لتحسين عمليات وصيانة أصولها من خلال تحليل البيانات.

الوجه الآخر
وعلى النقيض من هذه النجاحات، تم استغلال الذكاء الاصطناعي في عمليات ضارة مثل، توفيره للمجرمين الطرق التي تمكنهم من ارتكاب عمليات احتيال معقدة والمساعدة في إنشاء ونشر الأخبار الكاذبة.
التعرف على الصوت وتحليله حيث أصبحت تطبيقات الدردشة الآلية شات بوتس، شائعة الاستخدام في العديد من مراكز خدمة العملاء، حيث يتم استخدامها للإجابة على أسئلة تتراوح بين خيارات منتجات مواقع التسوق الإلكتروني، إلى الإجابة على الأسئلة عبر الهاتف في المرافق والبنوك. تختلف برامج المساعدة هذه، في مدى تطورها وأنها مقيدة بإجادتها لما يعرف بـ(معالجة اللغة الطبيعية)، أي المقدرة على معالجة الكلمات، على كونها أكثر من مجرد مدخلات ومخرجات.

استخدامات أخرى
من ضمن الاستخدامات الأخرى، إدارة النفايات، حيث تساعد تقنية التعرف على الصور، الروبوتات في فرز المواد القابلة للتدوير. حيث يُعد إضفاء الطابع الشخصي على المنتجات والتسويق، مجالاً للتطور السريع، يمكن أن يعود بفوائد كبيرة على المصنعين وتجار التجزئة.
وتشير تقديرات مؤسسة بي دبليو سي، للقيمة المستخلصة من تأثير الذكاء الاصطناعي على سلوك المستهلك، من خلال تخصيص المنتجات مثلاً، بنحو 9.1 تريليون دولار بحلول 2030.
ويعتبر تطبيق تيك توك، من ضمن العمليات المعقدة لإضفاء الطابع الشخصي على محتوى الإنترنت، حيث يسمح للمستخدمين، بتنزيل فيديوهات قصيرة.
كما يساعد تحليل البيانات، في تخصيص عمليات التجميل، عبر استخدام البيانات الوراثية لمحاربة التجاعيد والأمراض الجلدية. وفي غضون ذلك، فإن عمليات إعادة تصميم صناعة السيارات في شركة مرسيدس، باستخدام الروبوتات في خطوط إنتاجها، مكن من تحقيق مستوى من التخصيص لم يكن ممكناً في الماضي، مثل عدم تطابق أي سيارة مع الأخرى من نفس خط الإنتاج. يقف الذكاء الاصطناعي، مكتوف الأيدي أمام اختراق قطاع الفنون، حتى لو تم برمجة العمليات الحسابية لإنتاج شيء مشابه لأعمال بعض الفنانين، العمل الذي يعتمد على الخيال والممارسات اليومية. يجد المشككون صعوبة في فهم أن وتيرة التغيير التقني، مسرعة وليست مبطئة، ولا يلوح في الأفق خط لنهاية مسيرتها.