جائحة كورونا حدث مفصلي في تاريخ البشرية إلى حدّ أن أغلب من كتب عنه يؤكد أن ما بعد كورونا لن يكون كما قبلها. هي إذاً قطيعة كشفت لنا ما كنا نجهله عن أنفسنا. أو لنقل إنها عرت أوهامنا عما كنا نظن أننا عليه. فحتى أولئك الذين كانوا يظنون أنهم بلغوا شأوا بعيداً في التحديث أدركوا محدودية إمكاناتهم، وتبينوا أنهم ليسوا بالحداثة التي يدّعون. كثير من الدول الأوروبية اكتشفت محدوديتها وكونها لا تتوفر على الإمكانات التي كانت تعتقد ملكيتها.

رغم هول الحدث، والتعقب اللحظي لنتائجه، والمتابعة اليومية لعدد ضحاياه، إلا أن ذلك صوحب، في كثير من مناطق العالم، بنوع من «عدم تصديق» ما يقع، والتظاهر بالتقليل من خطورته. يشهد على ذلك جو النكتة والصور الساخرة التي كان الناس يتناقلونها عبر الوسائط الجديدة، إلا أن هذا لا ينبغي أن يخفي عنا الشعور الفعلي الذي خلفته الجائحة لدى سكان المعمورة، فنحن لا ينبغي أن ننسى أن «السخرية، كما كان يقول رومان جاري، هي نوع من التفوّق الوهمي للإنسان على ما يحدث له». إنها تحكّم وهمي في مجريات الأمور، وهي علامة على إحساس عميق بهول الفاجعة أكثر منها استخفافاً بها، ففي السخرية، نحن لا نقلل إلا من شأن ما نستعظمه.
***
هزة كبيرة أصابت الثقة التي كانت توضع في المعرفة العلمية. تبيّن أن العلم لا يتمتع بالمصداقية التي كان يتمتع بها. أكبر شاهد على ذلك كثرة الحديث عن حالة اللايقين العلمي التي صاحبت ذيوع الوباء. قد يرد على ذلك أن مسألة اللايقين لم تكن في حاجة إلى وباء كي تؤخذ عند العلماء بعين الاعتبار، إلى حدّ أن العلماء يحسبون اللايقين. فكل قياس يصاحب لدى العلم بتقدير درجة الشك فيه وحساب درجة لايقينه Calcul d’incertitude. العلم يدرك أتم الإدراك عدم دقته، بل إنه يحسبها ويسعى دوما لأن يقلص منها. إلا أن ما حدث بعد كورونا هو أن المعرفة العلمية، في شكل العلوم الطبية، قد أصبحت حديث الجميع، أصبحت من قبيل «بادئ الرأي»، فصار بإمكان الجميع أن يدلوا بدلوهم فيما يخص طبيعة الفيروس، ونجاعة هذا الدواء أو ذاك. هذه «المعرفة الطبية» صوحبت بيقظة إبيستمولوجية متأخرة ومتخلفة جعلت الجميع يدرك، لأول مرة، أن العلم طريق محفوف بالتشكك، وأنه ليس باليقين الذي كان يظنه بادئ الرأي. إنها فضحت حدود بادئ الرأي أكثر مما كشفت عن عدم يقين المعرفة العلمية. 
***
هزة أخرى أصابت هذه المرة مفهوم الفرد في المجتمعات الغربية. المعروف أنه نتيجة لتطورات تاريخية معقدة، ترسَّخ مفهوم الفرد الذي يتمتع بسيادة تجعله مستقلاً عن الجماعة، غير أن الجائحة أعادت الأفراد «الخارجين»، التائهين في أرجاء العالم، إلى«مقابعهم» كي ينعموا بدفء الوطن-الأم، إدراكاً منهم أنهم مشدودون إلى الجسم الاجتماعي. لم يكن يسيراً على هذا الفرد الذي طالما ادعى أنه ضد-السلطات أن يقبل الخضوع ويعود إلى حيث كان. 
***
تحدّث البعض عن «ديكتاتورية» الفيروس الذي سجن سكان المعمورة وأرغمهم على البقاء في منازلهم، لكن، يبدو أن لفظ الديكتاتورية هنا في غير محله، ذلك أن وسائل الاتصال الجديدة جعلت الأفراد لا يفقدون القدرة على التعبير حتى إن كانوا قد فقدوا القدرة على الحراك. مما أدى إلى أن الدولة عملت طوال ذيوع الوباء «تحت الضغط». وقد لمسنا «الشعور بالذنب والتشكك» الذي غمر كثيراً من القادة الأوروبيين أثناء تدبير الفاجعة مما جعلهم يتعرضون خلال الأزمة كلها إلى وابل من الانتقادات، لا للتقصير الذي كشف عنه قطاعا الصحة والتعليم، بل وحتى لتدبير الأزمة ذاتها، والتردد الذي طبع ذلك التدبير. 
***
صحيح أن الجائحة قد أبرزت مكانة الدولة وبينت أنها راعي حياة المواطنين وأنها المسؤولة عن الحياة الجماعية في كل أبعادها. فعلى عكس ما كان النموذج التنموي السائد يعطيه من أولوية للمصلحة الاقتصادية، تبين أن الهاجس الأول للمواطن هو الهاجس الصحي. فهو ينتظر من الدولة أن تحميه. وبدل أن ينظر إليها أساساً كجهاز يوفر الشغل وإنتاج الخيرات، فإنه أصبح ينتظر منها أن تحمي صحته إلى حد أنه أصبح مقتنعاً بالتضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة. خصوصاً وأن الفيروس كان يثبت لحظياً أن سلامة كل مواطن متوقفة على سلامة المواطنين جميعهم.
***
كان لذلك وقع على «الوضع» الأنطولوجي للفرد. فكون الفيروس قادراً على الانتقال، في أية لحظة، من جسد إلى آخر يجعل كل جسد من أجساد الجماعة مجرد حلقة عضوية ضمن سلسلة تمتد بين «الأفراد»، وهي حلقة لا خارج لها. ها هنا لا تكفي الفرادة المعنوية للشخص، كي تفصله عن الآخرين وتميّزه عنهم، فيصبح مضطراً إلى «صناعة» مسافات تبعده عما عداه، و«تعزله» عن «الآخرين» الذين لم يعودوا في الحقيقة، آخرين بالمعنى المعهود، وإنما غدوا امتداداً للذات. من هنا هذا الشعور الغريب الذي اجتاح الجميع منذ انتشار الوباء بأن الفرد لم يعد مسؤولاً عما يظهر عليه من أعراض. لم يعد الأفراد مسؤولين، كلٌّ عن جسده، وإنما عن جسد غريب لا يخص شخصه، هو جسد ممتد عبر كل الآخرين وموصول إليهم. صحيح أنه يلجأ إلى عزله عنهم واتخاذ مسافات منهم، إلا أنه لا يضمن، أنهم جميعُهم، سيتصرفون على النحو نفسه بهذا الجسد الممتد الذي أصبح يتقاسمه معهم. عندما كان الفرد يصاب بمرض لا «يعنيه» إلا هو وحده، كان يستطيع التحكم فيه تحملاً وعلاجاً وصبراً ومكابدة، كان يتحمل مسؤوليته، كانت له «هوية صحية» تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية. أما وقد غدا «جسده» المريض حلقة في سلسلة ممتدة، فإنه لم يعد قادراً على القول: «أنا جسدي» على حد قول ميرلو بونتي.