محمود إسماعيل بدر (الاتحاد) 

كتاب «نحن كوبا» الصادر حديثاً عن «منشورات جامعة ييل» الأميركية، للكاتبة والباحثة الأسكتلندية «هيلين يافي»، قد يؤشر عنوانه إلى الصراعات السياسية والعقائدية والأيديولوجيات، وغير ذلك مما يحيط بهذه الجزيرة القابعة في الكاريبي في مدخل خليج المكسيك، إلاّ أن محتوى وتفاصيل هذا الكتاب الجدير بالقراءة والمراجعة، تؤكد في أقلّ الحالات أنّه يملأ فجوة في التاريخ الثقافي والاقتصادي والإنساني في هذا البلد الذي يعاني الكثير، كما يتناول التطورات التي حدثت ما بعد 26 ديسمبر 1991 الذي شكّل لحظة مفصلية في التاريخ العالمي، على خلفية تفكك الاتحاد السوفييتي. وقد اعتمدت «يافي» في كتابها، الذي ما زال يحدث ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية العالمية، على بحوث أرشيفية ومقابلات مع عدد من القادة والمفكرين والباحثين والأكاديميين الكوبيين، لتروي لنا في سردية بديعة وجديدة وموضوعية تمزج الأدبي بالبحثي العلمي، كيف صمدت كوبا حتى الآن، رغم عديد التحديات والصعاب والمشكلات. ومع ما تعيشه من أزمات، فإنها تملك ثقافة ذات طابع إنساني. فمنذ انتشار جائحة «كورونا»، بادرت إلى إرسال متخصصين في الرعاية الصحية إلى 37 دولة للتعاون في مكافحة الوباء. وتتساءل مؤلفة الكتاب: كيف أمكن لجزيرة صغيرة حملت إرث قرون من الاستعمار، وعقود من الإجراءات العقابية، أن تقدم الكثير للعالم دون ضجيج إعلامي؟ 
تشير «يافي» في كتابها، إلى الكيفية التي أدخلت بها كوبا المزيد من الإصلاحات المختارة في المجالات الاقتصادية والثقافية، مستعرضة بالتفاصيل عديد المبادرات المحلية الرئيسة، بما في ذلك إنشاء صناعات التكنولوجيا الحيوية الرائدة في العالم، وثورة الطاقة البديلة، والطب، إلى جانب اهتمام قوي بالثقافة كقوة ناعمة. 
كتاب «نحن كوبا» الذي يقع في 10 فصول، أهمها: النجاة من الأزمة، تدويل الطب الكوبي، حبل كوبا المشدود، يحمل في جنباته الكثير من الموضوعات والرؤى المستقبلية، تناولتها المؤلفة تحت مظلة خطاب عقلاني حيادي. ومن ذلك، مثلاً، تطرقها في أحد فصول كتابها إلى بعض المظاهر العربية التي سرت في الثقافة، كبروز خصائص التراث العربي من خطوط ولوحات وعادات غذائية وسلوكية تتعلق بالحياة اليومية، في ظل القليل النادر المكتوب عن هذا البلد، حيث يلعب الاتحاد العربي دوراً نوعياً في نشر الثقافة العربية. وتقول «يافي»: «إن هناك ما يصل إلى خمسين ألفاً من أحفاد المهاجرين العرب في كوبا اليوم، وإنها تمكّنت من تحديد نحو ألف صيغة من الأسماء العربية اللاتينية بين الأسر الكوبية، وإن استيعاب كوبا للعرب كان أسهل كثيراً منه في بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، بسبب غياب الكراهية عند الحكومة الكوبية تجاه الأجانب».