نوف الموسى (دبي)

هل القصيدة بمقدورها أن تكشف لنا حدود التفكير والعقل، من خلال تجربة شعور «الحدس» القادم عبر عفوية روح الشاعر؟ ولماذا من المهم إدراك إمكانية ذلك؟ وما هو أثره في الوعي الإنساني؟ أسئلة انطلقت من الدفق اللانهائي لقصائد الشاعر النمساوي الشهير راينر ماريا ريلكه، وبالأخص مجموعة «مراثي دوينو» التي كتبها في قصر دوينو في يناير من عام 1912، وترجمها للعربية من الألمانية كاظم جهاد في كتاب «سونيتات إلى أورفيوس»، وصدرت بالتعاون بين «كلمة» و«منشورات الجمل»، ممثلة الجزء الثالث من ترجمة المجموعات الشعرية الكاملة التي أصدرها الشاعر راينر ماريا ريلكه (1875-1926). 

يقال إنه لا يمكن تفسير «الحدس»، لأنه شيء يتجاوز العقل، فالعقل يشعر به ولكن لا يستطيع تحليله، ولذا فإن إدراك العقل يكمن في «التعبير» عن «الحدس» وليس «تفسيره»، فمثلاً يكتب راينر ماريا ريلكه في المرثية الأولى: «من لو صرختُ سيسمعُني، في مراتبِ الملائكةِ؟ ولو حدثَ يوماً أن يضمَّني أحدُهم فجأةً إلى قلبِه، فسأفنى بباعثٍ من حضوره القويّ. ذلك أن الجَمال إن هو إلا بدايةُ الرعبِ، ما لا نكادُ نقدرُ أن نحتملَه، ولئنْ كنّا نلفاه جميلاً فلأنّه، ببرودٍ، يأنف مِن تحطيمنا». وتحديداً عندما يقول: «ولو حدثَ يوماً أن يضمَّني أحدُهم فجأةً إلى قلبِه، فسأفنى بباعثٍ من حضوره القويّ»، هنا نستشعر الانتقال غير المتدرج للفناء، فالأمر تطلب حضوراً كاملاً والتحاماً تاماً لروحين، وهو ما يعود بنا إلى الحدس، في أنه عملية عفوية مرتبطة بالروح في الإنسان، تمثل عادةً قفزة وعي، ينتقل فيها الإنسان من نقطة إلى أخرى، بشكل غير منطقي، وقد يُرى أن هناك فجوة بين النقطتين، لا يدركها العقل، فيتولد منها ارتباكه، لأنها حالة مجهولة المصدر. 

  • كتاب «سونيتات إلى أورفيوس»
    كتاب «سونيتات إلى أورفيوس»

والعميق في هذه القصيدة أيضاً، ما كتبه راينر ماريا ريلكه، في المقطع التالي لنفس المرثية: «لمن نقدر أن نجاهرَ يا ترى بالحاجةِ؟ لا للملائكة ولا للبشر، والحيواناتُ في مَكرِها تُدرك من قَبل أننا غيرُ متطامنينَ حقاً في هذا العالم المفسَّر. ربما بقيتْ لنا شجرةٌ على المنحدر، نُبصرُها من جديد كل يوم». ويظهر فيه كيف أن العالم المفسر المرتبط بالعقل، يعمل ضمن نطاق المعرفة التي لا تمثل حالة عفوية مطلقاً، والتي يظل الإنسان يتوجس منها. ويستمر ريلكه في قصيدة موحياً بشعور الحدس، القادم من روحه، دون قصد، بل يستشعرها القارئ في تعبيره لكل تحول في القصيدة، يقول: «اللّيلُ الحنونُ، المُخيّبُ، والذي هوَ للقلب المتوحد تهديدٌ وعذابٌ، أهو أخف وطأة على العاشقين؟ لكنهما لا يفعلان -واأسفاه- سوى أن يخفي أحدهما على الآخرِ مصيره، أو ما زلت تجهلُ هذا؟ فلترمينَّ الفراغ من بين ذراعيك، أضفهُ إلى الفضاءِ الذي نتنفسُ، فلعلَّ الطيور ستُحس بالهواء وهو يكبُرُ بطيرانٍ أكثر حميميّة». بينما يضعنا راينر ماريا ريلكه أمام التفسير في القصيدة كحال العاشقين، فهو يذهب بنا إلى مصيرهما المجهول من خلال استشعارنا لـ«المعنى» الذي يمكن استنباطه من خلال الحدس، لا العقل، بقول: «أو ما زلت تجهلُ هذا؟»، ليدلنا أن الطريق يتكشف من خلال الفراغ الذي نضيفه إلى فضاء إدراكنا الشعوري لقوة الروح.