في ربيع عام 1967 من القرن الماضي، زار لبنان الشاعر الروسي الكبير يفغيني يفتوشنكو (1932 – 2017). كان ذلك في عداد وفد أدباء الاتحاد السوفييتي لحضور فعاليات «المؤتمر الثالث لكتاب آسيا وإفريقيا»، والذي عقد في بيروت تحت رعاية رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رشيد كرامي.
وكان الوفد الروسي يومها برئاسة الشاعر رسول حمزاتوف ويتضمن، بالإضافة إلى الشاعر يفتوشنكو، الروائي جنكيز أيتماتوف والمستعربة الشهيرة إيلينا استيفانوفا.
وزار يفتوشنكو لبنان ثانية في العام 1970، بمفرده هذه المرة، حيث أحيا أمسية شعرية في قاعة مسرح الأونيسكو في بيروت، التي فاضت يومها بجموع المحتشدين من محبّي الشعر، ما اضطر كثيرين منهم إلى البقاء خارج القاعة يستمعون للشاعر الذي كان يلقي قصائده بلغته الروسية الأم.

أتذكره يومها بقامته الفارعة، وانثناءاته الممسرحة ذات اليمين وذات الشمال، قفزاً إلى أمام وتراجعاً إلى وراء، ثم حركات يديه وإشاراتهما ما فوق المعبّرة، وصوته الرخيم الذي أدمن خلاله التفوّق على إيقاعاته، صعوداً وهبوطاً، همساً ووشوشة، وكله انطلاقاً من مواءمته حركة تواصل المبنى بالمعنى في قصائده التي كان يتلوها، والتي يقول في إحداها:
«أترك لي شيئاً من نبوءتك أيها الشعر/‏ كي أترك لك كل شيء/‏ وأواجه أنا كل شيء».
في وقفته الفذة تلك، كما في إلقائه الفذ، بدا لي الشاعر يفتوشنكو وكأنه قد امتلك خبرة الامتلاء بالمطلق، وفرض شروطه عليه، وأنه يوجد ما يكفي لديه، كشاعر، كي يظلّ محتفظاً بالذروات..

ذرواته
بعد نهاية الأمسية، وفي أثناء تفرّق الجمهور العريض، تقدّمت منه بشق النفس وسألته: سيدي الشاعر، أي «نبوءة» كنت تستدعيها في قصائدك؟
أجابني، بينما كان مرافقوه من الروس يستعجلونه مغادرة المكان:«كنت أستجدي نبوءة الشعر، كي تعينني في حربي المفتوحة على التاريخ السلبي للإنسان بسبب الإنسان نفسه». وأردف بلغة إنجليزية راقية: «لكنني لا أعتقد بأنني سأنجح في هذه المهمة، وذلك مهما بلغت قوة الشعر التي تؤازرني في ذلك».

لقاء العام 1988 
تمضي الأيام، وألتقي بعدها بالشاعر يفغيني يفتوشنكو، ولكن هذه المرة خارج بيروت، في العاصمة المغربية الرباط. كان ذلك في العام 1988، وفي أثناء زيارة له لتلك «البلاد الجميلة التي تخلب لبّ القلب ولبّ العقل»، على حدّ تعبيره. وفهمت منه أنه يزور المغرب، من ضمن جولة، هي الأولى له إلى بلدان المغرب العربي، وأنه بعد المملكة المغربية سيزور الجزائر وتونس وليبيا.
وما أثار دهشتي أكثر في يفتوشنكو، كشاعر كبير، هو قوة ذاكرته وسطوع حدسه، فلقد عَرَفني على الفور، بمجرد أن تقدمت منه في بهو الفندق المغربي الفخم الذي صادف أنني كنت أنزل فيه أيضاً، قائلاً: عرفتك..
عرفتك..
أنت اللبناني الذي سألني ذات يوم في بيروت عن «النبوءة» التي كنت أخاطبها في قصائدي، وسؤالك ما زال يرنّ في ذاكرتي إلى اليوم.
كيف هي أحوالك؟ كيف هي أحوال بيروت؟..
إنها مدينة عربية جميلة بالفعل.
لقد أحببتها..
أحببت أناقتها، وأناقة أناسها، وكرمهم وعمق توجههم الثقافي المفتوح على الشرق والغرب، ولولا وقوع الحرب الأهلية فيها، لكنت اخترتها مكاناً لإقامتي الدائمة. لبنان بلد نموذجي للعيش الآمن الحر، لكن حربه الأهلية، مع الأسف، خرّبت كل شيء، عليكم أنتم أولاً أهل لبنان، ثم بعد ذلك على غيركم ممن أقاموا في بلدكم، أو زاروه وأحبوه وتمنوا العيش الدائم فيه، وأنا في مقدمة هؤلاء.
قلت ليفتوشنكو: أحوالي هي كما تراها، أيها الشاعر الكبير.
اشتعل الرأس شيباً، والروح شارفت على الامتلاء بالدمار.
وبيروت اليوم، لم تعد بيروت الأمس، التي كنت تعرفها وتتمناها مكاناً لإقامتك بدل موسكو.
لقد أنهكتها جولات الحروب الأهلية وبدّلت من صورتها، لكنها ما زالت تقاوم موتها على نحو أسطوري.
أطرق الشاعر بعض الشيء، ثم رفع رأسه قائلاً: مهما حصل لبيروت يا صديقي، فلن تغيب البتة عن ذاكرتي، كمدينة جميلة رائعة.
إنها، تماماً، كما طائر الفينيق، تعرف كيف تنهض من رمادها وتستأنف الحيوية والتجدد.
عقل تأويلي
وفيما يشبه القيام بحركة منّي لتغيير الموضوع آنئذٍ، قلت ليفتوشنكو: قرأت أنك تحولت إلى باسترناك آخر، فبماذا تعلق؟ (بوريس باسترناك شاعر وروائي روسي كبير حصل على نوبل للآداب عام 1958، لكنه اعتذر مرغماً عن قبول الجائزة، لأنه يومها هُدّد بأنه إذا ترك موسكو للحصول عليها، فممنوع عليه العودة ثانية إليها).
وكعادته، أجاب يفتوشنكو والابتسامة تطفح من عينيه ومحيّاه: أتشرّف أن تُشبّهني أنت وغيرك من الأصدقاء بباسترناك، فهو شاعر كبير وإنسان كبير، وشخصية ذات أنا عليا سامية تتجاوز كل شيء إلا وطنه، فهو يضعف أمامه ولا يطيق نفسه خارجه.
ومن هنا، جاء رفضه لجائزة نوبل، مفضلاً عليها البقاء في مسقط رأسه، حتى لا يُحرَم منه.
وأردف يفتوشنكو: كنت، وما زلت، احترم باسترناك وأقدّر جهوده الإبداعية في كل شيء، وخصوصاً لجهة أنه جدّد الحياة السياسية في روسيا، ولو من خلف الظلال.
كما جدّد، بشعره ورواياته (خصوصاً روايته: د. جيفاكو) تجليات حداثة الأدب في روسيا. لقد جعل المبدع الروسي يقرأ التطورات من حواليه، وفي العالم، بعقل تأويلي خلاق، ويستخدم أدوات معرفية جديدة يستقيها من ثورات العلوم الوضعية والعلوم الإنسانية والفنون الحرة التي كانت تترى آنذاك، وبشكل مدهش، بعيداً عن العالم السوفياتي المغلق. 
وعندما سألته: أما زال الإنسان أعظم معجزة على هذه الأرض؟..أجاب: كنت، وما زلت، يتقاسمني رعب المصير الفردي الواحد مع أي إنسان في هذا العالم.
وفي النتيجة، سواء كان الإنسان أعظم معجزة أم أدناها، فسيظلّ كائناً شائهاً ناقصاً، كأنه لا يتعلم شيئاً من حقائق الوجود والطبيعة.
الإنسان، نعم، هو من أكثر الكائنات سلبية وبشاعة على هذا الكوكب، ووظيفتي الدائمة أنا، كشاعر، أن أزيل البشاعة عنه، فهل أفلح؟..
هذه مهمتي على وجه الأرض.
وماذا تفعل في بلدك الجميل روسيا هذه الأيام؟..
أجاب: 
أتدرب على مواجهة الموت يومياً، وأميل إلى مراقصة الأبدية قبل الأوان.
من جانب آخر، وفي أحسن الأحوال، تراني أهرب من زحمة البشر لأستوطن أقاصي اللاوعي فيَّ، وأمارس التزلج على العدم.