عانى تولستوي الكثير من الاضطراب الفكري - والنفسي أيضاً- في حياته، التي كان كل من يعرفه يعتقد أنه يعيش حياة وادعة مطمئنة، ومنهم صديقه المهاجر تورغنيف، بسبب الأملاك الكبيرة التي توفر له كل الوسائل المادية للعيش الكريم، ولكن «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، هناك حياة تنبع من الجسد، من الفكر، من النفس، من تلك المعتقدات التي يبنيها الإنسان من تلقاء نفسه، أو يتلقفها من فرد آخر، أو مجموعة أخرى. 

ينفرد تولستوي، من بين الأدباء الروس، بأفكار وعقائد ورؤى لم يتلقفها من أحد، صحيح أنه من حيث العقائد السائدة كان أقرب إلى الفوضويين، ولكننا نجده في منظومته الفكرية ينأى عنهم في كثير من الأمور، وربما كانت هذه السمة، سمة عدم الانقياد الكامل للأيديولوجيات السائدة، شائعة بين الأدباء الروس، ولهذا لم يخطئ من أطلق عليهم مصطلحاً جديداً، لم يسمع به العالم من قبل، وهو مصطلح «انتلجنسيا»، إنهم متفردون من بين كل أدباء العالم بهذا اللقب، فبرديائيف كان ذا فكر قريب جداً من الماسونية، التي كانت منتشرة كثيراً بين المثقفين الروس، ولكنه كان مختلفاً عنهم كل الاختلاف، حتى أن عبد الرحمن بدوي، يعده من بين الوجوديين الكبار أصحاب الاتجاه المتفرد، ومن هنا يجب أن نفهم قول لينين، بأن أدب تولستوي لا يمثل الثورة الروسية.

مشكلة الموت
ومن هذا التفرد، نجد تولستوي يعالج مشكلة الموت معالجة تكاد تكون خاصة به، فهو يرى أن الموت لا يقتصر على الجسد، فهناك موتى مع الأحياء، وهناك أحياء مع الموتى. والموت هاجس كبير في أدب تولستوي.
لم يفصل تولستوي بين الجسد والنفس، ولا بين المادة والروح، فقد تطغى ناحية على أخرى، سلباً أو إيجاباً، ولكن المحصلة لهذا الطغيان هو الموت، الذي لا يمكن، بحسب الشخصيات التي قدمها تولستوي، أن يكون موتاً جسدياً بعيداً عما يعتلج في النفس، ففي قصة «السيد والخادم» يقدم مقارنة بين السيد، الذي يأمر خادمه لرحلة إلى بقعة بعيدة، لشراء قطعة أرض بثمن بخس، ويحضه على الإسراع حتى لا يسبقه زبون إليها، وبين خادمه المستريح من عناء هذه الدنيا، فيراها بعين صافية، يحذر سيده من هذه المغامرة، وكانت النتيجة هلاك السيد ونجاة الخادم، بعد خوض الظروف الصعبة لعاصفة ثلجية، كان الخادم قد حذر سيده منها، لكن الأخير، مسوقاً بالطمع، رفض كل تحذير، ومثل هذه القصة أيضاً «قصة كم يحتاج المرء من الأرض»، التي تخبرنا عن أحد الجشعين إلى الملكية، الذي يسمع بأن هناك قبيلة تريد بيع أراضيها، فيهرع إليها ويقابل زعيمها، فيقول له الزعيم: ببضع روبلات يمكن امتلاك الأرض التي تقطعها سيراً على الأقدام من شروق الشمس حتى غروبها، فسر الرجل وراح يركض، وكلما همّ بالتوقف، دفعه الطمع فيغذ السير، ويركض ركضاً سريعاً من أجل المزيد من الأرض، وتكون النتيجة أنه يقع فاقداً الحياة عند غروب الشمس، فيدفن في ذراع من الأرض، وقيل إن تولستوي تخلى عن أملاكه بعد أن أمعن في ذم هذا الجشع البشري القاتل، وصار أشبه بالأب لفلاحيه، يهتم بتعليم أطفالهم، والعناية بشؤونهم. 

موت إيفان إيليتش
على أن القصة التي هزت أوروبا، كما يقول رومان رولان، هي قصة موت إيفان إيليتش، وهو قاض مستقيم، لم يزعج أحداً في حياته، التي عاشها كما في القوانين التي يحكم بموجبها، وعندما انتقلت العائلة إلى منزل جديد، أراد تعليق ستارة على النافذة، فاصطدم جانبه، وأحس بالوجع الشديد، ولكن مع الأيام خفّ الألم، إلى أن عاد من جديد، وبدأ المرض العضال، وعجز الأطباء عن شفائه، بل لم يستطيعوا حتى تخفيف الألم الصارخ. وكثر الزوار وأصحاب الحاجات، كما هي العادة، وكانت زوجته تقوم بما يجب عليها أن تقوم به، ولكن عندما ساءت حالته وقلّ عوّاده، صار يلاحظ على زوجته، التي لا تزال في عزّ شبابها، أنها راحت تسلك سلوكاً آخر، فتلبس أفخر الثياب، وتستقبل الزوار بابتسامة، ولا توليه ذلك الاهتمام الذي كان يبدو منها في بداية مرضه، ولاحظ الغنج في حركاتها وسكناتها أمام الزوار والضيوف، وصارت الأناقة أهم من هذا المريض الملقى على فراش والمتكئ على وسادة، برأس لا يقوى على رفعه، وعنق كسير، كأنما يئس من استوائه. وفجأة تستيقظ روحه، فيسأل «ما الموت؟» ويشد عزيمته، فيرى نوراً يغمر الغرفة، بل يغمر العالم، ويبتسم بكل بساطة، ويقول إن الفرح أقوى من الموت، وتشيع فيه نشوة عارمة، ويموت مبتسماً.

السوناتة القاتلة
بطل هذه القصة «سوناتة لكروتزر» لا يختلف عن إيفان إيليتش، فهو رب عائلة مثالي، والأمور تسير على ما يرام، إلى أن يأتي عازف إلى موسكو، وهو بارع جداً في عزف قطعة بتهوفن التي أهداها لصديقه الفرنسي كروتزر، وشغفت الزوجة به، مثلما شغفت بعزفه، وانتبه الزوج لهذا فأقدم على ما أقدم عليه، لاعناً العزف والعازفين، وحاولت زوجة تولستوي ثنيه عن هذه القصة، وكانت تسعفه في أعماله الكتابية، وتنسخ له كل أعماله، حتى «الحرب والسلم» فلم ينثن، فنشرت القصة واعتبرتها موجهة ضدها، وبدأ الخلاف بينها وبينه، إلى أن هرب منها، فلحقت به، ولكن كان قد فات الأوان، فمات كما صوّر الموت لدى أبطاله.
والخلاصة أن مفهوم تولستوي عن الموت الحقيقي، وكل الشرور، ينبع من: جشع التملك، والزوجة، والفن الذي رأى فيه أكبر مفسدة للنفوس، بكل صنوفه وأنواعه، وهذا ما نجده في كتابه «ما الفن؟»، فيغدو شكسبير في عرفه من أكابر المفسدين.