نوف الموسى (دبي)

قيمة التفكير النقدي في الحياة التعليمية، وإثراء منهجية صناعة «السؤال» في البحث العلمي، من شأنه أن يعزز الانفتاح والقبول الثقافي الواعي لمختلف حضارات العالم، عبر جاهزية الطلبة في الدخول إلى نقاشات نوعية، تتسم بالقدرة الموضوعية على التميز بين مختلف التوجهات والتنوع المعرفي الهائل، وهو ما اعتبره الأكاديميون الاتجاه التربوي العالمي، الذي يمكن الطالب من تحصيل المعرفة الفلسفية وتطبيقها، باعتبارها نشاطاً وفعلاً حقيقياً معيشاً، من خلال توظيفها في مختلف مفردات حياته اليومية، وجميعها مثلت محاور نوعية للنقاشات بين مختصين وأكاديميين حاورهم«الاتحاد الثقافي»، بعد قرار وزارة التربية والتعليم بتضمين مادة الفلسفة في المناهج الدراسية للحلقة الثالثة في المدرسة الإماراتية في العام المقبل، والذي يتركز على ثلاثة مباحث أساسية، هي: الوجود، والمعرفة، والقيم.

بداية، يؤكد الدكتور حسن محمد النابودة، عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الإمارات العربية المتحدة، أن الفلسفة تمثل الدرجة العليا من التّفكير الإنسانيّ المتدبّر لجميع أوجه الحياة الإنسانية وقيمها المختلفة، من العلم والجمال والدين وغيرها، وهي تقوم على إعمال العقل الإنساني وتربيته وتهذيبه، وتطوير مهارات التفكير المنهجي عامة، والتفكير الناقد والتفكير الإبداعي، وغيرها من ألوان مستويات التفكير الإنساني. ويأتي إدخال تعليم الفلسفة في المنظومة التربوية الإماراتية إدراكاً من المعنيين بأمور التربية والتعليم في الدولة، للمسؤولية العظيمة التي ينهضون بها، واستجابة لوعيهم في أننا جزء مهم من عالم يتسم بالتنوع المعرفي والتقدم التكنولوجي، مما يفرض علينا مراجعة شاملة ومستمرة للمناهج وطرق التدريس لتلائم التغيرات المعرفية والتكنولوجية التي يمر بها العالم، ولتساعد في بناء إنسان المستقبل القادر على مواجهة التحديات في كل مجالات الحياة.
وأشار النابودة إلى أن القرار يمثل إنجازاً تربوياً وثقافياً وفكرياً كبيراً، يعبر عن تحول في الرؤية الاستراتيجية للدولة لاستكمال بناء المواطن الإماراتي، المتزن في تفكيره وفي عناصر شخصيته؛ كما يمثل تعبيراً صادقاً عن إرادة تربوية وثقافية تسعى بعزيمة لا تعرف المستحيل إلى أن يواصل أبناء الإمارات عامة، وبناة المستقبل القريب والبعيد، السير إلى الإمام على درب تعزيز الإنجازات الوطنية والريادة والابتكار في المجالات العلمية والثقافية المختلفة، وبذلك يكون الإنسان الإماراتي مهيئاً وقادراً على الإقبال بعزيمة وإرادة ووعي على المشاركة الفعَّالة في قضايا المجتمع الإماراتي وإنجازاته الحضارية خاصة، والمجتمع الإنساني عامة.
وتطرق النابودة إلى أن تدريس مادة الفلسفة في المدارس الإماراتية يسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف التي تسهم في مجموعها في ترسيخ الهوية الثقافية لأبناء الإمارات التي تشكل أساساً متيناً للحفاظ على قيم المجتمع الإماراتي وتماسكه وتوافقه مع الاستراتيجية العليا للدولة ورؤيتها المستقبلية، وهو أمر مهم في معرفة أبناء الإمارات لذواتهم، ولغتهم وتاريخ وطنهم وإنجازات مجتمعهم من جهة، وإغناء هذه التجربة الحضارية الإماراتية بالانفتاح العقلاني الواعي على ثقافات الشعوب والأمم المختلفة، وهو انفتاح يؤمن بالتعددية والاختلاف، وتعظيم القواسم المشتركة، واحترام الفوارق بين تلك الثقافات التي تشكل في مجموعها الحضارة الإنسانية التي تمثل مظلة واسعة يستظل بها أبناء البشرية، على اختلاف أعراقهم وأديانهم وثقافاتهم. 
 وأشار د. حسن النابودة إلى أن الأمر يتطلب بذل عناية خاصة في بناء منهاج فلسفي، وتقديم مادة معرفية تقوم على ربط الفلسفة بالحياة ومشكلاتها، وتتسم بإمكانات وقدرات عالية المستوى على الانفتاح على مختلف المواد الدراسية الأخرى المقررة في النظام التربوي الإماراتي، والبساطة والتدرج في مستوى اختيار المهارات والقدرات التربوية المستهدفة، وكذلك المضامين والأنشطة التعليمية المختلفة وأساليب التقييم المناسبة.
واعتبر النابودة أنه مما لا شك فيه أن تعليم الطلبة الفلسفة سيقود في النهاية إلى ممارستهم التفكير الفلسفي الذي سيكون له تأثير إيجابي واضح في الارتقاء بمستوى تحصيلهم الأكاديمي وتطوير مهارات تواصلهم الاجتماعية، فيتمكن الطالب من تحصيل المعرفة الفلسفية وتطبيقها، حتى تصبح نشاطاً وفعلاً حقيقياً ومعيشاً، وتوظيفها في مختلف مفردات حياته اليومية، وهو أمر يمثل تطويراً للتفكير والسلوك والمهارات الحياتية المختلفة القادرة على مواكبة متطلبات العصر، وانفتاحاً على العلوم الإنسانية كافةً، ويعد ذلك تعبيراً عن التعلم المستدام أو المستمر في مسار الحياة. 

تحفيز التفكير الناقد
وأشار الأستاذ الدكتور عبد الجليل الوالي، أستاذ الفلسفة في قسم العلوم المعرفية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات، إلى أهمية حضور الفلسفة في المدرسة الإماراتية كمادة بحثية علمية تحفز التفكير الناقد لدى طلبة المدارس، حيث نبني أهمية حضور الفلسفة في المدرسة الإماراتية على وظيفة الفلسفة. فالفلسفة، كما يراها أصحابها، بأنها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان، وإن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق. وهذا هو الاتجاه التربوي العالمي. وأضاف أن الفلسفة تهدف إلى بناء جيل متحفز لاكتشاف الحقيقة، مستخدماً أدوات المعرفة، كصياغة السؤال، وبناء الحجج المنطقية، والتفكير الإبداعي، والتعاون، والبرهنة على الحقائق وفقاً لمنطق العقل. ويرى الوالي أن شيوع تدريس الفلسفة في العالم المعاصر يشجع تبنيها في المؤسسات التربوية، ويعزز من قدرة الأجيال على مهارات التفكير الناقد والتحليل والاستقراء والاستنتاج.
وذكر الدكتور عبد الجليل: إن المباحث الثلاثة التي ستتضمنها دراسة الفلسفة في المدارس، وهي الوجود والمعرفة والقيم، تعد من أهم مباحث الفلسفة، فضلاً عن المنطق والميتافيزيقيا. إذ يتعرف الطالب عبر مبحث «الوجود» على الإنسان والمخلوقات والكون، وماهية هذه المخلوقات، وما طبيعة العلاقة التي تربطها مع بعضها بعضاً ومع الكون بشكل عام، وما هو دور كل من هذه المخلوقات لحفظ التوازن في الكون، وما هي القوانين الطبيعية التي تنظم هذا الوجود. أما مبحث «المعرفة»، فيتعرف الطالب من خلاله على الكيفية التي يدرك فيها العالم الخارجي، عبر أدوات المعرفة الإنسانية، الحس والعقل، ومن ثم الكيفية التي يوظف فيها هذه المعرفة لخدمة المجتمع. وصولاً إلى مبحث «القيم» الذي يهتم بالأخلاق والجمال، ويتعرف الطالب فيه على القيم الأخلاقية التي تنظم الحياة الإنسانية، ماهية هذه القيم، وكيفية تنميتها وتطويرها، وماهو السلوك الصائب، أي كيفية أن يسلك المرء سلوكاً مقبولاً اجتماعياً، كالبدء باحترام الذات ومن ثم الآخرين. ويكمل هذا السلوك الأخلاقي بتذوق الجمال، والإحساس به، واكتشافه، والتعبير عنه، ومن ثم توظيفه.

البحث والانتقاء
وأوضح الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، أن قرار تدريس مادة الفلسفة، ضمن المناهج التعليمية في المدرسة الإماراتية، يثري مجدداً محور الإبداع والتفكير خارج الصندوق، الداعم لتغير التوجه الفكري الطلابي المبني على البحث والانتقاء للأفكار والتوجهات، وفي المقابل الاستعداد العلمي لمواجهة الأفكار غير الفاعلة للمشروعات الإنسانية والحضارية، وتناقض طبيعة القيم المجتمعية، وتابع: الفلسفة من شأنها أن تعزز البحث العلمي، الذي في اعتقادي يتطلب وجوده من المراحل الدراسية المبكرة، مشكلاً شرارة لبناء مستقبل زاهر، من خلال تهيئة الطلبة، من الصف الأول وحتى مرحلة الثانوية، في أن يشارك ويصنع المادة التعليمية، وبالأخص حضور «النقاش»، من خلال تطوير مهارة حب الاطلاع والفضول لدى الطلبة. 
ولفت الدكتور نور الدين عطاطرة، المدير المفوض لجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا، إلى أن مادة الفلسفة من العلوم الأولى للبشرية، وحضورها في المدرسة الإماراتية، بوابة مهمة نحو تغذية الفكر، وفتح آفاق المعرفة البحثية، وذلك لمقدرة الفلسفة على تعزيز التفكير الناقد، مبيناً أهمية الوعي بكيفية بناء المنهج الدراسي، وآلية طرحه على الطلبة، موضحاً أن أغلب المجالات العلمية، سواء الكيمياء والفيزياء وإدارة الأعمال، جميعها تنتسب إلى بُعد فلسفي في التفكير والتناول العلمي، فالأخير يحضر في الجامعات بشكل أساسي، وهو أن المنهج الجامعي يعتمد على دراسة حالات، يتطلب فيها الرجوع إلى مصادر عدة، وهذه بطبيعتها تؤسس للتفكير الإبداعي. 
ويرى الأستاذ الدكتور محمد عبدالرحمن، أستاذ التربية وعلم النفس ومدير جامعة الوصل، أن قرار الوزارة تضمين مادة الفلسفة، بدءاً من العام الدراسي المقبل، يعد خطوة هامة نحو تدريب الطلبة على إعمال العقل والتفكير بطرق علمية، والعمل على زيادة الوعي النقدي، وإتاحة الفرصة لرؤية الواقع كما هو من خلال التفكير الفلسفي، كما أنها تعلم الطلبة احترام آراء الآخرين وفن أسلوب المحاججة والنقاش، واتباع التفكير الواقعي الذي يقوم على البرهان العقلي في قراءة الأشياء، بعيداً عن العاطفة أو التأثيرات الأخرى، واستخدام التفكير العقلي بما يعود بالفائدة على أبنائنا الطلبة، وهناك العديد من الآثار الإيجابية لتلك الخطوة، تتمثل في بناء شخصية قوية مستقلة للطلبة، وزيادة الثقة بالنفس، وتقبل آراء الآخرين، والنقد الذاتي وزيادة الوعي الفكري.