إبراهيم الملا (الشارقة) 

رغم مضيّ أربع سنوات على رحيله، ما زال الفنان التشكيلي الرائد حسن شريف يطرق أبوابنا الذاهلة، وما زال يحفر بآلاته الفكرية «الحادة» في المشهد الفني، دون أن يمارس وصاية جارحة على هذا المشهد، مضى حسن شريف جسداً، ولكن ظلاله ومرئياته وهواجسه بقيت مستعرة ومثيرة لاقتراحات عدةّ حول ماهية «الفن» وأطره وأساليبه وأسئلته المحفّزة.

وعندما رمى حسن شريف حجر السؤال في المياه المطمئنة للفن منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن هدفه إلغاء أو تنحية التيارات التقليدية المعنية بإنتاج اللوحات التزيينية، أو عرض المنحوتات المنتصرة لظاهر الأشياء لا لعمقها ودلالاتها، بل كان يطارد مفهوم الفن ويروّضه ويؤنسنه في مكان آخر، وفي منطقة مغايرة، حيث التجريب هو منبع الرؤى، وحيث استثمار الدهشة باعتبارها إشراقة داخلية قابلة للتجسيد ضمن محاولات مكررة، قد تبدو للبعض أنها رتيبة، ولكنها في الأساس تمثّل إيقاع الحياة، وغموضها، وتجليّاتها المبهمة.

حفلة تأملات ضارية
كان حسن شريف يزيح قشرة الغرابة عن أشيائه، ليورطنا في اقتحام غرابة أخرى أكثر كثافة وسمكاً، وكأنه يقول للمتلقي: «أنا هنا، في قلب المتاهة اللذيذة، أحتفل بجسارتي، وأدعو الجميع لمشاركتي في حفلة التأملات الضارية هذه، ولا أبالي إذا كنتم تفهمون القصد الفني لأعمالي، كل ما يهمّني هو أن تفتحوا القمقم المغلق في أرواحكم، كي يخرج منه مارد السؤال، فالسؤال هو ما يهمني وليست الإجابة».
اشتبك حسن شريف مبكراً بالحياة الحقيقية، بعد أن اكتشف أنها تتنفس في الأشياء، وفيما وراءها أيضاً، حيث لا حدود تخنقها ولا عناوين مكرّسة تؤطرها، إنها خارج المصمت والمغلق والجامد، لقد ارتحل حسن إلى الجوهر، ولم يلتفت للمظهر، فكان هذا سرّ تفرده، وريادته لصياغة الفن المفاهيمي، ليس فقط على المستوى المحلّي بالإمارات، ولكن على مستوى الفن التشكيلي العربي أيضاً، والذي ظلّ أسيراً للمنطق التزييني وللإطار المتحفي الكلاسيكي، وفي الوقت نفسه عندما كان حسن شريف، يقدّم أعماله الصادمة وبإصرار مكتمل على خوض المغامرة التعبيرية إلى أقصاها، حيث لم ينظر إلى الوراء بغضب، كما هو الحال مع «البيت جرنيشن» أو جيل التمرّد العشوائي الذي خلّف وراءه حطاماً هائلاً، ولم يقدّم ملمحاً بديلاً أو صيغة، يمكن لها أن تصمد أمام الفورة الحسّية الطاغية، فهو جيل عاش عنفوان الخلاص كلحظة مفخّخة بالبهجة والسعار والفوضى، فصار هو حطاماً آخر، انسحقت تحته كل الرؤى والمشاريع الواعدة.

  • من أعمال حسن شريف المفاهيمية (أرشيفية)
    من أعمال حسن شريف المفاهيمية (أرشيفية)

نظرة نقدية
في المقابل، كانت نظرة حسن شريف للوراء هي النظرة النقدية الفاحصة والتحليلية أكثر من كونها نظرة غاضبة أو إقصائية بالمطلق، والذين رأوا في أعماله طابعاً تهكميّاً، وحكموا عليها بأنها أقرب للهلاوس الدادائية والسوريالية، لم يستشعروا أن حسن شريف كان ينطلق من بصيرة واعية لقيمة وأهمية الفن، وأنه استند إلى فلسفة عميقة حول البحث الإنساني والأزلي عن «المعنى»، معنى وجودنا، ومعنى ارتباطاتنا، ومعنى الثنائيات المتنافرة والمحتشدة بالنقائض الخلّاقة مثل: الميلاد والموت، والتوثّب والانكفاء، والحيوية والخمود، والنور والعتمة، وغيرها من الثنائيات المتضادة، التي تشكّل إيقاع حياتنا ويمكن التعبير عنها فنياً، دون فقدان الشعور بحواسّنا المتطلّعة دوماً لما هو متجاوز وغير مألوف. كان حسن شريف يقول: «ابحث عن العطش.. لا تبحث عن الماء»، ولقد أحسسنا بهذا العطش الأبدي في كل أعماله المفاهيمية والتركيبية، المتراوحة بين الألفة والتوحّش، وبين الصخب والإصغاء، وبين التوتّر والهدأة، وكان القلق هو الوقود الضامن لاستمرار حسن شريف في إنتاج أعماله، والتي رأى الكثيرون أنها أعمال إشكالية، ونابتة في أرض غريبة، ولم يكن الأمر كذلك، لأن حسن شريف كان يؤبّد اللحظة قبل هروبها وانفلاتها وتلاشيها في الزمن، كان يؤبّد ذاته وسط التحولات الكبيرة في مجتمعه، حتى لا يخسر هذا الجمال المفارق والاستثنائي القابع تماماً في منتصف المسافة تماماً بين الخلود والفناء.

علامة على التغيير
كان انجذاب حسن شريف للحياة عاصفاً وحميمياً في آن، ولذلك عاش نضالاً داخلياً متواصلاً، حتى لا يخفت هذا الصراع المحتدم فيه، وهو الصراع الذي أشعل ناراً وأجّج بروقاً وفجّر ضوءاً جديداً في المشهد التشكيلي الإماراتي، صراع كان ينطوي على فائض انتباه أيضاً لخصوصية التجربة، التي قدّمها وصار لها مريدون قدموا من مسارب إبداعية مختلفة كالشعر والرواية والمسرح إضافة إلى التشكيل، صار حسن شريف علامة دالّة على التغيير، ووهجاً يتقاطر نحوه المكتنزون بليل حدوسهم، لم يقصد حسن شريف أن يكون معلّماً أو أباً روحياً للقادمين من أرض الأسئلة، بل كان يمتلك الكاريزما المحتشدة فيه، ولم يبخل بمنح أسرارها وخباياها للمحيطين به، وكان الخط الكرونولوجي للسيرة الفنية والحياتية التي عاشها حسن شريف بكل عنف ومحبة، هو الخطّ الذي انتقل به إلى موقع مهم في السياق الجغرافي والتاريخي لحضور الفن في المكان. إنها الهالة الإبداعية التي سوّرت تجربة حسن شريف، وجعلت أعماله صامدة وحيّة وديناميكية حتى اليوم، ذلك أنها أعمال متوّجة بديمومتها، وبمحتواها الطليعي، والمشاكس، والتي كانت أدوات حسن شريف الحادّة تحيلها إلى موتيفات مستقلة، تعيش وجوداً خاصاً بها، وتخلق خطاباً ينبثق من تحولاتها المثيرة، فهي لم تعد مجرد أدوات وخامات تترجم التكوين الفني الذي أراده الفنان، بل باتت هي المعطي الخالص للتجريد، لأنها اكتسبت كينونة متحرّرة من الاسم والنسب والانتماء، وهكذا فكل أعمال حسن شريف تبقى معلّقة في فضاء التأويل، وتتأرجح في التوازن القلق بين الكتلة والفراغ، وبين الثبات والحركة، وبين الشكل والإيحاء، وقد يكون هذا سرّ بقاء أعماله مثيرة للحيرة في وضوحها الأكيد، ومنتمية للجمال في تشظيّاته المُلغزة الشبيهة بحياة حسن شريف نفسه.

سرّ البقاء
كل أعمال حسن شريف تبقى معلّقة في فضاء التأويل، وتتأرجح في التوازن القلق بين الكتلة والفراغ، وبين الثبات والحركة، وبين الشكل والإيحاء، وقد يكون هذا سرّ بقاء أعماله مثيرة للحيرة في وضوحها الأكيد، ومنتمية للجمال في تشظيّاته المُلغزة الشبيهة بحياة حسن شريف نفسه.