غالباً ما تثار في أوساط المثقفين الإيطاليين وعلى أعمدة الصحف أسئلة على غرار: لأيّ شيء يصلح الشعر اليوم؟ أَوَلأنّنا نجد عزاء وسلوى في كلمات الآخرين؟ أم لأننا نحقّق أنفسنا في ما نقرأ؟ أم لأنّه بفضل الشعر نحسّ بعزلة أقلّ؟ في واقع الأمر يساعدنا الشعراء، كما يقول جاكومو ليوباردي، على خَلق رابطة جماعية نشعر من خلالها بأنّنا متكاتفون، مثل فريق لا يعرف طعم الهزيمة. إذ يخطئ من يقول إن الشعر في إيطاليا شيء ينتمي إلى الماضي، لكبار الشعراء والكُتّاب الذين ولّوا وبقينا ندرسهم في الكتب المدرسية، لأنّ الشعر حيّ فاعل. فلا يزال الشعراء موجودين يتابِعون وبشكل مميز الكشفَ عن سرائرهم، وعن النهج الذي يرون به العالم، مزيحين الستار عن المحاسن والمساوئ التي تكتنف وجودنا، دون خشية من أي كان.
فمنذ أن اجتاحت الشبكة العنكبوتية عالمَنا، غادر كثير من الشعراء أبراجهم العالية، ونزلوا بين الناس لرواية ما يختلج في صدورهم. يأتون ذلك عبر وسائط متعدّدة، عبر مواقع الويب، وعبر المدونات، وعبر الصفحات الخاصة وغيرها.

ومن هنا، فليس صحيحاً أن المرء قد واصل الذهاب إلى السينما والمسرح وحفلات الغناء، وربما إلى القدّاس أيضاً، وانقطع أو قاطع الذهاب إلى الشعر؛ وليس صحيحاً أن النشر في الإنترنت أفقد الكلمة مضمونها، فالشبكة غربال كبير متحرك، على حدّ قول الشاعر فرانكو بوفوني. ولكن، ربما ثمة شيء من الحقيقة في هذا اللغط، فقد كان الشاعر بطيئاً نرجسياً في السير إلى الناس، ولذلك مع وسائل التواصل الجديدة دبت حيوية في الشعر، بات بمقتضاها يذهب إلى الناس ولا يترقّب مجيئهم.

من هوميروس إلى اليوم!
كان الشعراء الإيطاليون كثيرين ولا زالوا، فهم يرون أنفسهم حلقة من حلقات سلسلة طويلة، تنطلق من هوميروس وتصل إلى الحاضر، ولكنهم غابوا عن الساحة أو غُيِّبوا على مدى فترة طويلة امتدت إلى مشارف الألفية الثالثة. فقد غُيّب الشعراء لأنّ الشعر، كما يبدو، في تناقض مع نُظم الهيمنة. خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كان أوجينيو مونتالي وماريو لوتسي وجوفانّي جيوديشي وبيير باولو بازوليني يكتبون على صفحات جريدة «كورييري ديلا سيرا»، في حين اليوم أمسى لدى كل صحيفة يومية تقريباً قلمٌ روائي بمثابة الصورة الثقافية المرجعية وقلّ الشعراء. حتى غدت الرواية غَرساً أحاديّاً في حقل ثقافي ثري ومتنوع، ونُزعت مساحة هائلة للشعراء والفلاسفة والمفكرين والنقاد، والحال أنّ الحقل الذي يُنبت نوعاً وحيداً تُنْهك تربته وتتراجع خصوبته.

شعب من الشعراء!
وفي أعقاب ما حصل من إزاحة للشعر، ما انفكّ الناس يردّدون: «الإيطاليون شعب من الشعراء»، هذا فضلاً عن كونهم شعباً من القديسين ورواد الآفاق. «شعب من الشعراء» حقيقة لا مجازاً. فلو نظرنا إلى قطاع الأغاني الإيطالية، نلاحظ كَمّ النصوص التي يكتبها مغنون بأنفسهم. ولذلك في بداية رحيلي إلى إيطاليا كنت أصاب بالذهول من حذق الناس لغتهم واحتفائهم بها، ولطالما كنت أقول في خلوتي: أَوكلّ مطرب إيطالي ينطوي في سريرته على شاعر؟ ففي غمرة تلك الهيمنة التي احتكر فيها صناّع الرواية الساحة اجتاحت الروايةُ السينما بمفردها، وعقدت صفقات الكتابة وحصدت الجوائز، فقد دخلت عالم الماركتينغ من بابه الواسع. وفي واقع الأمر وكما يردّد الناقد الأدبي ألفونسو بيراردينيللي «نحن معشر الروائيين والمفكرين والنقاد والخبراء والتراجمة والمنجّمين والمخاتلين، ثمة ضرورة ملحّة ليكون الشعراء بيننا، حتى نتبين خريطة الطريق».

جماهيرية الشعر
ولنفهمَ أحوال الشعر المعاصر في إيطاليا حريّ أن ننظر إلى بدايات الأمور، فبعد 68، أقصد العام الذي شهد ثوران العواطف والأفكار، بات من المستحيل تحديد رؤية منتظمة للشعر في إيطاليا. وما إن أطلّت السبعينيات حتى خيّمت على الساحة تعدّدية في التجارب، توزعت بالتساوي ومن دون مركز بين أصحابها. فقد تميزت الفترة بالاضطراب وعدم الاستقرار، السياسي والاجتماعي، وهي أوضاع يمكن تلخيصها بكلمتين: انتفاء الهيمنة وتعددية المراكز. منذ تلك الآونة غدا الشعر فعلاً خصوصيّاً مرتبطاً بالكاتب الفرد لا بالجماعة. فبعد شِعر الالتزام في سنوات الخمسينيات والستينيات، وبعد الشعر الطليعيّ، وبعد الشكلانية، تحرّر الشعر من ثقل أحكام النقد والنقد الذاتي. وهكذا انفتح مع الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الجديدة على «الديمقراطية الشعرية» وعلى «جماهيرية الشعر»، فأن يكون المرء شاعراً بات بمثابة الحق الذي لا ينازَع.
وبمنأى عن القائلين بموت الشعر ممّن يردّدون بألّا وجود لقصيدة معاصرة وألّا أَثَر للشاعر، فإن الأرقام تسفه تلك الادعاءات المغرضة، فقد بيع في إيطاليا خلال عام 2018 حوالي مليون ديوان شعر، وتتحدث «دار إناودي»، إحدى أهمّ دور النشر في إيطاليا، عن طبع ألفيْ نسخة من كل مؤلف شعري كلاسيكي سنوياً وبشكل دوري. فليس الشعراء كائنات خرافية تنتمي إلى تاريخ مضى، بل هم كائنات حية تعيش بين الناس وللناس. لقد كان الاتهام المروَّج أن الشعر كان دائماً واجباً مدرسيّاً ثقيلاً، جنساً من أجناس الإبداع النخبوية، التي تتوجه إلى أقلية ضيقة من القراء، في وقت لم يتوقف فيه الشعراء يوماً عن كونهم جزءاً لا يتجزأ من الناس.

مسارات بهيجة
ففي بانوراما الشعر، أو في المشهد الشعري السائل والمتحول بشكل مطّرد، لاسيما في العقد الثاني من الألفية الجديدة، ثمة نوع جديد من الشعر يطلّ، ويعتقد جازماً في قيمة الشعر الثابتة والدائمة، ولا يشغل فيه جمال العبارة الشعر فحسب، بل نقلُ التجربة أيضاً. وهذا النوع الجديد يحاول اجتراح مسارات بهيجة مثقلة بالغنائية أو ما يشبه التجريبية. لا يفي فيها بالغرض وحده نقلُ الغبطة معزولة عن مكملاتها، بل يمضي فيها الشعر رفقة الفكرة، الرسالة، بحسب توصيف الشاعر فرانكو بوفوني.

القصيدة مرهقة
لقد كشف تكريم الشاعرة الأميركية لويز غلوك بجائزة نوبل أن إصرار الشاعر على أن يكون شاعراً ليس عبثاً في القرن الحادي والعشرين، فالشعر لا زال ممكناً في عالم يطغى فيه النثر والتسرع في كل شيء. وإن كانت كتابة القصيدة مرهقة، على ما يرويه أهل الصنعة، بدءاً أن تكون للمرء الشجاعة ليعرض ذاته عارية على الملأ، على أمل أن يحتضنها أحد في تلك الهشاشة. فإنه من المشروع أيضاً التساؤل وبإلحاح: هل هناك مكان اليوم لشيء مجرّد وغير آني في عالم تطغى فيه بشكل واسع الأشياء الفعلية والآنية؟ وقد سبق أن تحدّث الشاعر مونتالي الحائز على نوبل 1975، وبشكل رؤيويّ عن مخاطر العصرنة. ولاشك في أنّ الشعر لا زال ضرورياً، لأنه وببساطة مضاد حيوي لانتشار الابتذال. فهو صناعة تتطلب جهداً ووقتاً، وعادة نحن مرهقون وعلى عجل. فدَور الشعر اليوم أن يذكّرنا بأنّ شيئاً آخر موجود، وأن يسحبنا خارج ما هو معتاد، لا أن يفسح لنا طريق الهروب من الواقع، بل ليوقظ نباهتنا ويضعنا في تواصل مع روحنا. فالشعر يذكرنا بأن لنا روحاً، غالباً ما نتركها ترزح تحت ثقل المشاغل. إذ تكفي أحياناً كلمات معدودة، قد لا نعي فحواها، لتثير فينا عوالم مجهولة، وتحرك فينا هواجس ساكنة. فالشعر يوقظ، ويبدو وكأن هدفه أن ينتشل المرء من الغرق. صحيح، لن يكون حلّاً لأي معضلة، ولكنه لا يزال ضرورة في وجودنا.