لئن عاش الفيلسوف والسوسيولوجي الفرنسي جان بودريار Jean Baudrillard (27 يونيو 1929- 6 مارس 2007) على هامش المجتمع الثقافي الرسميّ في فرنسا، إلاّ أنّه استطاع أن يحتاز له مكاناً مهمّاً في مجال البحث الفكري بفضل أطروحاته الفلسفيّة الجريئة التي طافت العالَم وانصبّت على مفردات معيش الناس، وبلغت فيها جوهرَ اشتغالِها وما تنهض عليه من زَوَغَانٍ عن حقائقها مثَّل سبَباً لاكتظاظ الواقع بالأوهامِ، بل ولاختفاء الواقع نفسه وراء صورٍ له زائفة ومشوَّهة. 

وضمن مجموعة من الكتب على غرار «نظام الأشياء» (1968)، و«مجتمع الاستهلاك: الأساطير والبنى» (1970)، و«السيمولاكر والمحاكاة» (1981)، و«وهْم النهاية» (1992)، صاغ بودريار مواقفَه حول كيفيّة تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية من خلال أشكال التواصل التي يستخدمها مجتمعٌ ما، وبهذه الطريقة، نأى بعيداً عن السيميولوجيا الرسمية لسوسير ورولان بارت، وسعى إلى فحص العلاقات التاريخية الضمنية، تلك التي تُوصَفُ بكونها غيرَ رسميةٍ، وذلك ضمن أُفُقِ ما بعدَ البنيويّة التي يُعَدُّ أحدَ منظِّريها. 

كثيرٌ من الكوميديا
وحين دُفن بودريار، وهو المنحَدِرُ من عائلة فلاحية والابنُ الوحيد لموظّف بالشُّرطة، لم يُقَمْ له موكِبُ عزاء، وإنما أَلْقَى بعضُ المثقّفين كلماتٍ رسميةً، باردةً ومتناقضةً، فيها كثيرٌ من الكوميديا جعلت الفيلسوف رُونِيه شِيرِيه الذي كان من بين الحاضرين يُعلّق قائلاً: «كل هذا عاديّ بشكل مثاليٍّ، لم يقع دفنُ بودريار، وهذا أفضلُ، لأنه من الآن فصاعداً سيستمر على قيد الحياة»، وفي هذا الشأن، نقترح على القارئ جولةً في أهمّ أفكار بودريار، التي استقيناها ممّا كُتِبَ عنه وكذا من بعض حواراته الصحفية.

تآكُلُ المفاهيم
يُعدّ جان بودريار أهمّ مَن نَظّروا لمجتمع ما بعد الحداثة بجميع أعطابه ونجاحاته، حيث اهتمّ في دراساته بتفكيك الموضوعات المتّصلة بوقائع وقته على غرار طغيان النزعة الاستهلاكية، وتوتّر العلاقات الزوجية، ومظاهر الفهم الاجتماعي للتاريخ، ناهيك عن قضايا الاستنساخ، والحروب، والإرهاب، والغطرسة الحضارية الغربية، وتميّزت أعمالُه التنظيريّة، على حدّ ما نقرأ في مقال منشور بموقع «تيّار فلسفي»، بتحرُّرِها ممّا شاع في سبعينيات القرن الماضي من اتكاء كتابات مُجايليه على مَقُولات التحليل النفسي، والماركسيّة، والبنيويّة، على حدّ ما فعل كلٌّ من فوكو، ولاكان، وبارت، ودولوز. 

المرجعية الذاتية
واستند بودريار في دراسة إحدى الأطروحات المركزية التي واصل من خلالها نقد مجتمع الفُرْجة، على تحليل ظاهرة «اختفاء الواقع»، وما حلّ مَحلَّه من صور له مزيَّفة ومتنوّعةٍ وذات قدرة على التوالد الذّاتي دونما توقفٍ، وهي صورٌ تصير فيها دَلالة الشيءِ، وبالتالي قيمتُه، مَرْجِعاً ذاتيّاً تطغى فيه مصطلحات مُحيلة على غياب أصل الشيءِ نفسِه وتلاشيه. ويستخدم بودريار هذا المبدأ لتعزيز فكرةِ أنّ المرجعيةَ الذاتيةَ للمعنى في مجتمعنا «العالمي» الراهن، هذا الذي خلقت فيه تكنولوجيا الاتصال تكاثراً مفرطاً لمعاني الأشياء، لم تُحرِّض على خلق مفهوم «القرية العالمية» (أنموذج ماكلوهان)، وإنما هي قد خلقت بدلَه أنموذَجاً آخر يقوم على دعامة عالَمٍ طُمِستْ منه معانيه، وتقلّص فيه المجتمعُ إلى كُتلة مُبِهَمة، واخْتُزِلَ فيه «الواقع» إلى مجرَّدِ علاماتٍ ذاتيةِ المَرْجِع مُحيلةٍ إلى وجوده.

الإقامةُ خلف المِرْآة
تحدّث بودريار، في حوار له منشور بمجلة «فِيلُوزوفْوَار» عن ظاهرة «اختفاء الواقع» وما انجرّ عن ذلك من إقامة الفرد في حيّز الافتراض، حيث قال: (إنه لمّا يختفي شيء مّا، يتوجّب علينا أن ننجز في شأنه حِدَاداً، وفي حال استحالَ ذاك الحِدادُ ندخل في حَيِّزِ الكآبة، فالكآبةُ إنما هي معادِلٌ لفشلٍ في الحِداد، بينما يمثّل «اختفاء الواقع»، وهو ما يشغلني كثيراً، ظاهرة مختلفة قليلاً ولا تحتاج إلى مثل هذا الحداد، ذلك أنّ الأشياء صارت الآن تتطوّر باطّراد كبير، أو قل: تتطوّر بطريقة متسارعة، وذلك انطلاقاً من اختفاء «مَبْدَئِها». ومن هنا تطرأ ظاهرة الاختفاء، وفي الواقع فإنّ في هذا الاختفاء ما يُحيل بالنسبة إليّ إلى مشكل الحقيقة العامّ من حيث إنّ الحقيقة ليست سوى مبدأ. 

اختفاء «الجوهر»
إن مبدأ الحقيقة، الحقيقة الموضوعية وما تستدعيه من عملية الاعتراف بها، يختفي بطريقة مّا، وذلك جرّاءَ أسبابٍ كثيرةٍ، وفي هذه اللحظة بالذّات، تصبح الحقيقة التي تتحرّر من مبدئها ضمن تَطَوُّرها الهائل، حقيقةً كاملةً، ومن ثَمَّ يتعين علينا التعامل مع الحقيقة من حيثُ ما يتم فيها من تشغيل لكلِّ شيء، ومن حيث إنه لا يبقى شيء خارجَ مجالها، وإذا تم تحقيق كل شيء أو تمّ إنجازه، فذلك لأنه تمّ أولاً على حسابِ اختفاء «الجوهر»، و«التعالي»، أو أيضاً على حسابِ «مبدأ» الواقع ذاته، وهذه القاعدةُ الطَّيْفِيَّةُ تقودنا، بطريقة معينة، إلى الإقامة في الافتراضيّ، وإلى كل تلك العوالم التي تسود فيها الافتراضيّة. 

بورخيس و«شَعْب المَرَايا»
أفكّر هنا في قصّة جميلة كتبها بورخيس حول «شَعْب المَرَايا»، متحدثاً فيها عن الشعوب المهزومة، المحكوم عليها من قبل الإمبراطور بالبقاء على الجانب الآخر من المرآة، والإقامة في حيّز مُماثَلةِ المنتصرين والإمبراطور ذاته، ففي هذه الحكاية، اختفت الشعوب المهزومة خلف المرآة، وصارت هي نفسها مرآةً لغُزاتِها، وستظل كذلك إلى أن يأتي اليوم الذي تعود فيه إلى التواجد في الجانب الآخر من تلك المرأة، وتخبرنا هذه الحكاية الفلسفية بأن وراء كل تشابُهٍ، ووراء كل مرآةٍ، ووراء كل صورةٍ، إنّما يوجد شخص مّا مُخِتفٍ هناك، أي إن شخصاً مّا قد هُزِم، وفي هذه الهزيمة، يوجد هناك بالطبع موت، ويوجد حِداد، ولكن أيضاً، ودون معرفة كيف يتحوّل الحِداد، توجد هناك طاقة في الاختفاء، وهو أمر أظنّ أنه بالإمكان أن نستخرج منه فكرةً مهمّةً. 

المرآة.. والشاشة
إن الاختفاء ليس هو الفناء، عندما يختفي المَرْجِع (الأصل)، ويختفي معه معناه الأول، يتحوّل الوضع إلى نوعٍ من ازدهار الاحتمالات، وتنامي كلّ ما هو ممكنٌ، إنه الأمر نفسه الذي حدث في هذه القصة التي حكاها بورخيس، لقد حاولتُ، من ناحيتي، تحويلَ هذه القصّة عبر استبدال المرايا التي فيها بشاشات عالَمِنا الإعلامي، ومن ثَمَّ سألتُ نفسي هذا السؤال: ما الذي اختفى خلف الشاشات؟ عرفنا أنه وراء المرايا، وَفْقاً لبورخيس، تُوجد الشعوبُ المهزومةُ، المنذورةُ للعيش في ظِلّ الإمبراطور، ولكن ألا يحدث ذلك أيضاً مع الشاشات؟ إذا كنّا قد اختفينا بشكل أساسي خلف الشاشات، فما الذي حُكم به علينا؟ لا أظنّ الأمرَ مقتصراً على مُهِمّة أنْ نُشابه الآخرين ونتماثل معهم ونبقى في ظِلالهم كما حدث للشعوب في قصة بورخيس، إننا مدعوّون بالأحرى إلى «هذا الوجود الحقيقي»، وإلى هذا التحديث الكلي للأشياء، وإلى هذا التزامن مع كل الأشياء التي تُحْكَى لنا ونعيشها. 

  • غلاف «مجتمع الاستهلاك» لبودريار
    غلاف «مجتمع الاستهلاك» لبودريار

«عبودية الشاشة»
نحن في عبودية وراء الشاشة، كما لو كنّا أمواتاً أحياء، أو كما لو كنّا كائناتٍ طيفيّةً تماماً، وهذه الحال لا تمنع الأشياء من الاشتغال، بل بالعكس: على هذه القاعدة تشتغل الأشياء إلى حدِّ أنه لم يَعُد يُوجد مبدأ جاذبٌ ولا مرجعيةٌ أصليّةٌ: كلّ شيء يمكن أن يتطوّر كيفما شاء، وفي جميع الاتجاهات، وهنا تكون الشاشةُ واجهةً لهذا الاختفاء، إنّ الاختفاء لا يعني الموت، لأن الموت ينتمي إلى المُتَعاليات، الاختفاءُ رهانٌ حقيقي، بل هو تحدٍّ حقيقي.

عالَم لم يَعُد واقعياً
ومن ناحية أخرى، ففي حال الفَناء، لا يبقى هناك شيء يتعيَّنُ علينا القيام به، هنا يُناقِضُ الموتُ الفناءَ، لأنه إذا كان الموت رِهاناً رمزياً -الحياة/‏‏ الموت- ففي الفَناء لا يوجد أيُّ رِهانٍ، بل إنه يعني موتَ كلِّ الرِّهانات، وبين هذيْن القُطبَيْن يَكْمُن الاختفاءُ، يحتاج المرءُ إلى فنٍّ ليختفي، الاختفاء لُعبةٌ، ويمكن أن يكون إيجابياً أو سلبياً، نلعب اليوم مع الاختفاء في عالَمٍ لم يَعُد، من الآن فصاعداً، واقعيّاً بالمعنى التقليدي للمصطلح، هو عالَم لم تَعُد له أيّ موضوعيةٍ، ولم يَعُد فيه أيّ يقينٍ، ولا أيُّ مبدأ حقيقيٍّ للعقلانية، أودّ أن أقول إن هناك شيئاً ما قد اختفى اختفاءً نهائياً وانفتح بنا على لعبةٍ افتراضيّة كبيرة، والافتراضيّ هنا، في المعنى المزدوج لهذا المصطلح، يعني في الوقت نفسه افتراضَ كل الاحتمالات، وافتراضيّةَ الفرد ذاتِه بعد أن أضاعَ ظِلَّه).

العلامة والمعنى.. العلاقة التبادلية
استأنس بودريار بعلم الدّلالات (اللسانية منها والاقتصاديّة...) نظريّةً هاديةً له في قراءة مفردات عصره، ولكنّه جمع في فهمه له بين آليات إنتاج المعنى وضروب تأويله ضمن ما كان يُسمّيه العلاقة التبادلية بين العلامة ومُحيطها، فمفهوم المدلول، وَفْقَ ما يرى، يفقد وَضْعَه كموضوع مُحايدٍ ليدخل في علاقة مُعقَّدة ليس مع المتكلم فحسب، وإنما أيضاً مع بيئة النظام الاجتماعي التي يتحرك فيها، وهذا ما جعل منه رائدَ حركة ما بعد البنيوية، ذلك أنّه لم ينِ يؤكِّد في كتاباته حقيقةَ أنه بَدَلَ تحليل علاقات القوة المتعددة والمتغيرة باستمرار، كما فعل فوكو، وجب على الباحث أن يهتمّ بأحوال الموضوع المدروس وكذا بانتظامها أو عدم انتظامها وهي «الإغواء» (الذي قال عنه: «يُمثِّل الإغواءُ السيطرةَ على الكون الرَّمْزي، في حين لا تُمثل السُّلطةُ إلا سيطرةً على العالَم الواقعي»)، و«السيمولاكر» (المسخ أو الصورة المٌشوَّهة)، و«الواقعيّة المُفْرِطة».