ترجمة: د. سعيد توفيق

أود أن أقدم أبسط تعريف للشعر وأكثره صواباً بالقول إنه فن اللعب بقوة الخيال بوساطة الكلمات. وهناك تأكيد خاص على ذلك في الفقرة التالية المستمدة من رسالة ﻟﭭيلاند Wieland* إلى ميرك Merck، التي نُشِرَت في ذلك الحين؛ حيث يقول: «لقد أمضيت يومين ونصفاً في مقطع شعري واحد، يقوم فيه كل شيء أساساً على كلمة واحدة كنت أحتاجها ولم أستطع أن أعثر عليها. قلبت الأمر في عقلي على كل الوجوه؛ لأنه من الطبيعي حينما يتعلق الأمر بوصف صورة ما، فإنني أود أن أجلب هذه الرؤية المحددة نفسها، التي هامت أمام عقلي الخاص، وأمام عقل قرائي أيضاً؛ ومن أجل هذا، كما تعلم، يقوم غالباً كل شيء على لمسة خاصة، أو ارتياح، أو رد فعل» (Briefe an Merck, ed. Wagner, 1835, p. 193). وبما أن خيال القارئ هو الوسيط المادي الذي يقدم فيه الشعر صوره، فإن الشعر تكون له الأفضلية في أن التطور الأكثر تفصيلاً لهذه الصور ولمساتها الأكثر دقة، تحدث في خيال كل شخص على النحو الأكثر ملاءمة لفرديته، ولمجال معرفته، ولمزاجه العام؛ وبذلك فإنها تثير مشاعره على النحو الأكثر حيوية؛ وبخلاف ذلك فإن الفنون التشكيلية والتصويرية لا يمكن أن تكيف نفسها على ذلك النحو، فهنا نجد أن صورة واحدة وشكلاً واحداً هو ما يجب أن يُرضي الجميع. 

كشف المُـثُـل 
ولكن القصد الذي به يثير الشاعر خيالنا هو أن يكشف لنا عن المُثُل، أي يُظهِر لنا مثالاً لما تكون عليه الحياة، وما يكون عليه العالم. ولأجل تحقيق ذلك، فإن الشرط الأول هو أن يكون الشاعر نفسه قد عرف هذا المثال؛ ووفقاً لعمق معرفته أو سطحيتها ستكون قصيدته. ولذلك، فإنه تماماً مثلما أن هناك درجات لا تُحصى من العمق والوضوح في فهم الأشياء، كذلك تكون هناك درجات منها فيما بين الشعراء. ومع هذا، فإن كل واحد منهم يجب أن يعتبر نفسه متميزاً بقدر ما يتمثل على النحو الصحيح ما قد عرفه، وبقدر ما تناظر صورة المثال لديه الأصل الذي تصوره: فهو يجب أن يضع نفسه على مستوى مكافئ لأفضل صورة؛ لأنه حتى في حالة الصورة الأفضل، فإنه لا يتعرف على شيء أكثر من الصورة التي تكون لديه، أعني بقدر ما يرى في الطبيعة ذاتها؛ لأن نظرته لا يمكن أن تنفذ إلى عمق أبعد من ذلك. 
والوزن والقافية أصفاد، ولكنهما أيضاً حجاب يطرحه الشاعر حول نفسه، من ورائه يكون مسموحاً له أن يتحدث كما لم يجرؤ أن يتحدث بطريقة أخرى، وهذا ما يمنحنا متعة. إنه نصف مسؤول فحسب عما يقول؛ فالوزن والقافية يجب أن يتكفلا بالنصف الآخر. الوزن -أو القياس- هو مثل القافية يتخذ وجوده فقط في الزمان، الذي هو إدراك حسي خالص بطريقة قبْـلية؛ وبذلك فإنه ينتمي فحسب -بلغة كانط- إلى الحساسية الخالصة؛ وفي مقابل ذلك، فإن القافية هي مسألة إحساس، في عضو السمْع، ومن ثم في القدرة على الحس التجريبي. 

  • شوبنهاور
    شوبنهاور

القواعد المتحذلقة
ولذلك فإن الوزن يكون أكثر نبلاً وأهليةً للوفاء بالغاية من القافية، التي ازدراها القدماء لذلك، والتي يرجع أصلها إلى اللغات المنقوصة التي نشأت من فساد اللغات الأسبق في العصور الهمجية. إن فقر الشعر الفرنسي يقوم على كونه محصوراً في القافية وحدها من دون الوزن، وهذا الفقر يتزايد لكونه بغية أن يخفي افتقاره إلى الوسيلة، فقد جعل صياغة القافية أكثر صعوبة من خلال عدد من القواعد المتحذلقة؛ ومن ذلك -على سبيل المثال- أن المقاطع اللفظية فقط هي التي تُكتَب على سبيل القافية، كما لو كانت تُكتَب من أجل العين، لا من أجل الأذن؛ كما أن تجاور صائتين hiatus* يكون ممتنعاً؛ بحيث إن عدداً هائلاً من الكلمات قد لا يُستخدَم، فضلاً عن أن هناك كلمات أخرى عديدة تحاول المدرسة الحديثة في الشعر الفرنسي أن تُبطِلها. 

إخفاء القافية
ولكن ليست هناك قافية في أية لغة -على الأقل بالنسبة إلىَّ- لها مثل هذا التأثير السَّار والقوي مثلما هو الحال في اللغة اللاتينية؛ فالقصائد اللاتينية المُقَّفاة في العصور الوسطى لها سحر خاص. وهذا الأمر يجب تفسيره على أساس أن اللغة اللاتينية أكثر كمالاً على نحو لا نظير له، وأكثر جمالاً ورفعةً من أية لغة حديثة، وهي تتحرك برشاقة بين الزخارف والمُرصَّعَات التي تتوشى بها اللغات الحديثة، تلك الزخارف والمرصَّعات التي ازدرتها هي من الأصل.  إن العلامة التي يتعرف بها المرء على الفور على الشاعر الأصيل -من الصنف الأعلى والأدنى معاً- هي الطبيعة غير المُقحَمَة لقوافيه. فهي تتبدى من تلقاء ذاتها كما لو أنها قد جاءت جاهزة بفعل ترتيب إلهي؛ فأفكاره تأتيه جاهزة بقوافيها. وعلى العكس من ذلك، فإن الشخص النثري المعتاد يبحث عن القافية لأجل الفكرة؛ ويبحث الشخص الذي يعمل بلهوجة عن الفكرة من أجل القافية. وغالباً ما يتبين المرء من بين بيتين مقفيين أيهما يتخذ الفكرة وأيهما يتخذ القافية أصلاً له. فالفن يكمن في إخفاء القافية، حتى إن مثل هذه الأبيات لا تظهر غالباً باعتبارها مجرد أبيات مقحمة مؤلَّفة لوضع القافية bous-rimés.

* شاعر وروائي ومترجم ألماني (1733-1813)، من أشهر رواياته «جمهورية الحمقى»، وقد ترجم العديد من أعمال شكسبير. 
** يشير مصطلح hiatus في اللغويات إلى تجاور حرفين صائتين (أي متحركين) في مقطعين متتاليين من خلال حدوث وقفة صوتية طفيفة.