ترجمة: مدني قصري

في كتابه «إسماعيل وإسحاق أو إمكانية السلام»* يؤكد المُحلّل النفسي التونسي الفرنسي جيرار حداد على القيمة الرمزية العالية للنصوص المتعلقة بالنبيَّين إسماعيل وإسحاق، ابنَيْ النبي إبراهيم، عليهم السلام، اللذين تغلّبا في الكتاب المقدس على الخصومة بينهما. ومن هنا يطرح السؤال نفسه عن سبب اهتمام المؤلف بهذا الموضوع تحديداً.

* ما الذي يدفع محلّلاً نفسيّاً إلى الاهتمام بهذه الجوانب المذكورة في الكتب الدينية؟
** قبل بضع سنوات، بدا لي أنّ التحليل النفسي المعاصر يجب أن يَفهم التعصّب، هذا الشرّ الذي يسبّب الكثيرَ من الخراب: الحروب والعنصرية... كان هذا موضوع كتابي «في يد المولى» (الصادر عن دار  Premier Parallèle سنة 2018. كنت منجذِباً إلى هذا السؤال الذي دفعني إلى مراجعة بعض المعطيات الأساسية في علم التحليل النفسي، لاسيما تلك الخاصة بعُقدة «قتل الأب» التي يعتقد أبو التحليل النفسي، فرويد، أنها الخطيئة الأولى أو أصل البشرية، كما يُنَظّر لذلك في كتابه «الطوطم والتابو» عام 1913.
ومنذ خطواتي الأولى في نظرية فرويد، وبتشجيعٍ من أستاذي المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكانْ Jacques Lacan، وضعتُ النصوص العبرية في مقارنة مع نصوص فرويد. والحال أنّ الكتاب المقدس يعطينا رؤية أخرى لأصل البشرية، وخطيئتِها الأولى: «قتلُ الأخ»، من خلال قصة قابيل وهابيل. ومن ثم سعيت إذن إلى إظهار التفاعل بين «عقدة أوديب» وعقدة أخرى، «عقدة قابيل». فعلى غرار المحلل النمساوي ليوبولد سزوندي   1893 - 1986، كانت لدى المحلّلين النفسيّين الآخرين قبلي الفكرة نفسها. ولا يتوقف «سفر التكوين» عن التأكيد على هذا التنافس القاتل بين الإخوة، من خلال قصص عيسو ويعقوب، وخاصة قصة يوسف وإخوته. وكأنه يقول لنا إن التوترات الاجتماعية لها جذورُها في هذا التنافس، ويدعونا للتغلب عليه.

  • جيرار حداد
    جيرار حداد

و«سفرُ التكوين» نفسه يعطينا مثالاً مذهلاً، حيث تم التغلب هذه المرّة على التنافس. وهذا الاستثناء يُجسّده إسماعيل وإسحاق، وكلاهما من أبناء إبراهيم، عليهم السلام. والخيطُ الذي قادني إلى هذا التحليل هو تعبيرٌ لم يتم التعليق عليه على الإطلاق تقريباً «مصدرُ الحيّ الذي يراني»، وهو التعبير الذي ظهر ثلاث مرات في «سفر التكوين». في المرّة الأولى عندما ذهبت هاجر (والدة إسماعيل) إلى الصحراء، حيث لم تعد تتحمّل معاملة سارة (والدة إسحاق)، وللمرّة الثانية قبل زواج إسحاق، وفي المرّة الأخيرة بعد موت إبراهيم، عليه السلام، حيث ظهر أنّ إسحاق اختار أن يذهب ويعيش مع أخيه لبعض الوقت.

تراث حضاري مشترك
* هل هذا التعايش بين أبناء إبراهيم هو ما أردتَ إبرازه؟
** نعم، فلهذا التعايش قيمة رمزية عالية جداً في سياق التوترات بين اليهود والمسلمين عندنا. يقوم بعض المثقفين اليهود الفرنسيين مثلاً بصبّ الزيت على النار. أريد أنا أن أُسمِع صوتاً آخر أيضاً. ماذا يريدون؟ أيريدون حرباً لا نهاية لها مع الإسلام؟ مشاكلنا مع أحفاد إسماعيل -وتحديداً مع بعض شبابنا في الضواحي (ضواحي باريس والمدن الفرنسية) بسبب سلوكهم اللااجتماعي والعنيف أحياناً- مشاكل يغذيها الشعورُ بالإقصاء، والتهميش.
لا يجوز أبداً الخلطُ بين الإسلام والإرهاب الإسلاموي. كتابي يدٌ ممدودةٌ للمسلمين، وهذه اليد تم تلقّيها بإيجابية. وكتابي «في يد المولى» تُرجم إلى اللغة العربية. وبقية الكتب تتم أيضاً إعادة إصدارها في الجزائر. وقد دُعيت إلى برنامج «قضايا إسلامية» لغالب بن الشيخ. هناك، إذن، إمكانية للحوار. لقد عشنا معاً لقرون. فالسياسة والوضع في الشرق الأوسط، هما اللذان يُعقّدان الأمور. 

  • غلاف كتاب «إسماعيل وإسحاق أو إمكانية السلام»
    غلاف كتاب «إسماعيل وإسحاق أو إمكانية السلام»

* في هذا الصراع المزمن، نراك تحدّد رفضَيْن نفسِيّين اثنين كامِنَين: الخلاف بين أحفاد إسماعيل وإسحاق، الذي وُلِد من تنافس أمّ كلّ من إسماعيل وإسحاق بحسب قراءتك، والخلاف الناتج أيضاً عما تعتبره رفض بعض اليهود الأوروبيين لجذورهم الشرقية!
** بعض اليهود الأشكناز (من أوروبا الوسطى) يعانون من مشكلة مع جذورهم الشرقية. يريدون أن يكونوا أوروبيين. هذا هو مصدر التوترات الخطيرة، ليس فقط فيما يتعلق بالعرب الذين تربطهم بهم علاقة صعبة، ولكن أيضاً مع اليهود السفارديم (التابعين لمنطقة البحر الأبيض المتوسط). لقد أتيحت لي الفرصة لمقابلة Yeshayahou Leibowitz، وهو يهودي متديّن للغاية، وعالِم، وفيلسوف، ويتمتع بحرية فكرية كاملة. لقد تأثّرتُ بخطابه، وترجمتُ سبعةً من كتبه. 

* أنت تعتقد أنّ هذا الحوار يجب أن يبدأ من تراث حضاري مشترك، ليس يهودياً مسيحياً، بل يوناني وإبراهيمي. هل لك أن تشرح لنا ذلك؟
** يجب إعطاءُ الإسلام مكانه الحقيقي. إنّ مفهوم «الحضارة اليهودية المسيحية» الشائع في الغرب مفهومٌ حديث للغاية، جاء بعد الإبادة الجماعية لليهود في أوروبا على أيدي النازيين. يبدو لي أنّ هذا خطأ: أوّلاً، لأنه يتجاهل ويُهمل التراث اليوناني، وثانياً لأن هذا التراث نُقل إلينا في جزء كبير منه من قبل فلاسفة عرب. ولذلك فإن الإسلام يشترك في هاتين الركيزتين مع اليهودية والمسيحية: التوحيد الإبراهيمي، وتراث الفكر اليوناني. والتأثير المتبادل بين الأديان الثلاثة عظيم: يعتمد الفيلسوف كوبرنيكوس على علماء الفلك المسلمين، ويُفهَم أرسطو في الغرب من خلال الفارابي، الذي استوحى منه الفيلسوف موسى بن ميمون Moses ben Maimon. إن لنا تراثاً إنسانياً مشتركاً، والصراع لا يليق بميراث أنبيائنا.

* ومع ذلك، فأنت تطرح قطيعة معرفية في هذا التأثير الحضاري المتبادل!
** نعم، لقد تأخر العالم الإسلامي، في فترة معينة، في مواكبة قطار العِلم، بينما كان يملك كلّ المقومات لتحقيق ذلك. لقد حدثت ظاهرة تسمّى «إغلاق باب الاجتهاد»، أي استبعاد التفكير النقدي. فالعالم الإسلامي يتجه الآن نحو الحداثة، إلى عالم العِلم، ولكن بالسير أحياناً نحو الخلف.

  • غلاف كتاب «في يد المولى»
    غلاف كتاب «في يد المولى»

* في أي سياق تم إغلاق باب الاجتهاد؟
لا يعرف بعض أبرز علماء الإسلام، بالضبط، سببَ هذا الإغلاق. ووفقاً لبعض آخر، في حوالي بدايات القرن الثاني عشر للميلاد، تخلى الفيلسوف واللاهوتي أبوحامد الغزالي عن خطه، وتحوّل إلى تصوّف عقائدي. لقد انتهى إلى اعتبار أنّ كل شيء وارد في النص الديني، ومع تعميم هذا الموقف، حدث انطواء العالم العربي الإسلامي على نفسه. وكانت النتيجة هي إضعافه وتحوّله إلى فريسة لكل أشكال الاستعمار. وقد قال الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير Althusser إن الثورة العلمية تتطلب قطيعة معرفية. لم يظهر أمثال ديكارت، أو كانط، في العالم العربي الإسلامي.

الأساطير القومية المؤسِّسة
* هل هذا الكتاب وسيلة للانحياز لثقافة السلام؟
** نعم، لأنّ الأساطير أساسية في ثقافة كافة القوميات: معركة ميدان البلاكبيرد بالنسبة للصرب، والإمبراطورية الرومانية عند موسوليني.. إلخ، فلمواجهة مثل هذه الأساطير القومية المؤسسة لأسباب الصراع بين الشعوب وأتباع الأديان المختلفة، أردتُ أنا تسليط الضوء على ثقافة أخرى مؤسسة للتعايش والتفاهم والسلام منطلقاً من خلفية ميثاق التعايش المتناغم بين إسماعيل وإسحاق، كسابقة تاريخية موسِّسة، وخريطة طريق إرشادية نحو المستقبل.

* إنك تدعو إلى التخلي عن هوس مسيانية الحقيقة المطلقة من أجل حلحلة الوضع!
** إن المسيانية (الاعتقاد بالمسيح المنقذ المنتظر) بالنسبة لي كارثة تاريخية. فهي تظهر في الكتاب المقدس مع إِشَعْيَاء أثناء السبي (المنفى) البابلي. أعتقد أنّ بعض اليهود استوعبوا هناك الفكرة المسيانية الموجودة في الزرادشتية. وقد حاول موسى بن ميمون، في رسالته إلى يهود اليمن، تبرير هذه المسيانية وعقلنتها، ولكن على الرغم من جهوده القصوى، فقد أصبحت اليوم وهماً خطيراً، من وجهة نظري الشخصية. إنها تغذي اليوم اليمين المتطرف من كل شكل ولون في صفوف أتباع الأديان السماوية الثلاثة، وبسبب ذلك يزداد سوء الفهم ويتفاقم عدم التفاهم وأسباب استمرار الصراع والنزاع، ويزداد دور وحضور الحركات الأصولية في الأديان الثلاثة. فهل سنتّجه نحو صِدام هذه الأصوليات الثلاث؟ يمكننا عندئذ أن تخيّل العواقب الكارثية الوخيمة.

(*) إسماعيل وإسحاق أو إمكانية السلام (Premier Parallèle، 2018)