ينطلق شغف الفنان المسرحي المخضرم علي خميس محمد بالأرشفة والتوثيق من منابع ذاتية طالما ارتبطت بإغواء الفن وجاذبية التاريخ، ومن هذا المنطلق أيضاً استشعر علي خميس أهمية الأرشيف المسرحي باعتباره مرجعاً مهماً لدراسة تطورات هذا الفن التعبيري والأدائي الأكثر حضوراً وتوهجاً في الإمارات، كذلك فإن هذه الجهود التوثيقية تؤسس لعلاقة تبادلية مطلوبة لتفعيل (التغذية العكسية) بين الرصد والتحليل، وبين المعاينة والاستنتاج، ذلك أن الأرشيف يساعدنا على فهم الماضي ونقد الحاضر وقراءة المستقبل، ضمن السؤال الكبير المطروح هنا، وهو: كيف يمكننا  تطوير الفنون المحلية، وفي مقدمتها المسرح، من خلال البحث في تاريخ الفن نفسه، والتنقيب عن شواهده القديمة سواء على الخشبة أو خلف كواليسها؟

هذا السؤال نقلناه بدورنا للفنان علي خميس للاسترشاد بتجربته الطويلة في هذا السياق الجامع بين وقائع المسرح المحلي وبين الطموحات التي يصبو إليها أهل المسرح في الإمارات، ابتداء من الأرشيف المُثبت والمدوّن ووصولاً إلى المشاريع والرؤى المرتكزة على هذا الأرشيف والساعية لتجاوزه وتقديم ما هو أفضل وأعمق وأكثر حيوية واشتباكاً مع ماهية المسرح ومع أسئلته وقضاياه الوجودية والإنسانية.

التوثيق فعل جمالي
بداية قال علي خميس: «من لا أرشيف له، لا تاريخ له» وبناء على مقولته هذه يرى أن جهوده الشخصية في هذا المجال ارتبطت بهاجس التوثيق كفعل جمالي له علاقة بالحنين واستحضار الصور القديمة، مضيفاً أن جهوده هذه بدأت في سبعينيات القرن الماضي، وكانت موازية لانطلاق الحركة المسرحية الحقيقية بالدولة، والتي وصفها بالحركة النشطة والمؤثرة بالمشهد الفني الواعد في تلك الفترة، موضحاً أن السبعينيات شهدت مخاضاً إبداعياً في مجالات الدراما والتشكيل والموسيقا والأداء الفني، حيث كان المسرح بيتاً كبيراً وحاضناً لكل هذا التنوع والثراء النظري والتطبيقي، أثناء وجود الجيل الذهبي والمسرحيين العرب والخليجيين الكبار داخل هذا المشهد المسرحي الحي والحيوي، أمثال: قاسم محمد، وصقر الرشود، وإبراهيم جلال، وفؤاد الشطي وغيرهم، مؤكداً أن رغبته في توثيق هذه الظواهر الفنية وهي في أوج ولادتها وتشكّلها، استندت على وعي مبكّر بأهمية الأرشيف في حفظ الذاكرة الفنية، وصونها من الضياع والاندثار، واستلهامها لاحقاً. 
وأوضح علي خميس أن دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لاتجاهه التوثيقي هذا، إضافة لانضمامه إلى مسرح الشارقة الوطني، كان لهما دور مهم في انتباهه للمفردات المسرحية القائمة أساساً على العرض الحي أمام الجمهور، بحيث تتبخّر هذه المفردات واقعياً، وتبقى آثارها نابضة في الخيال والذاكرة فقط، وخصوصاً مع غياب التغطية التلفزيونية للأعمال والمناسبات المسرحية في تلك الفترة، ما دفعه لجمع المدونات المكتوبة والتغطيات الصحفية للعروض المسرحية والصور الفوتوغرافية المتعلقة بها، وتوثيقها بعد ذلك في كتاب مستقل، وهو الأسلوب التوثيقي الذي ما زال يتبعه -كما أشار- من أجل أرشفة ورصد وتبويب كمّ كثير من الأعمال والمهرجانات المسرحية المقامة في الدولة، وفي عدد من الدول الخليجية والعربية. 

  • من الكتب التوثيقية لعلي خميس
    من الكتب التوثيقية لعلي خميس

كتب وأعمال
وعن أهم الكتب والأعمال الأرشيفية التي قدمّها للقرّاء والمهتمين بالسياق الزمني والتطور الإبداعي للمسرح الإماراتي، ذكر علي خميس مجموعة من هذه الكتب والمراجع وهي: «مهرجان الإمارات لمسرح الطفل من العام 2005 إلى العام 2013» في جزأين، و«حصاد الموسم المسرحي الإماراتي دورات 2008 - 2009 - 2010» و«المهرجان المسرحي للفرق الأهلية في مجلس التعاون الخليجي 1988- 2003» و«الموسم المسرحي الصيفي من 2005 إلى 2007» و«معجم المسرحيات الإماراتية» بالاشتراك مع الباحث والناقد عبدالفتاح صبري، وغيرها من الكتب والمراجع التي استفاد منها -كما أوضح خميس- الكثير من الأكاديميين والنقاد والباحثين المهتمين بقراءة ملامح وتنويعات واتجاهات المسرح في الإمارات.
ونوّه خميس بأن مكتبته الأرشيفية الخاصة كان لها أثر واضح في ظهور المجلّد الكبير بعنوان: «مسرح الشارقة الوطني في عقدين من الزمان 1975م - 1995م» الذي قام بتأليفه الكاتب والناقد المسرحي عبدالإله عبدالقادر، ذاكراً في مقدمته دور المسرحيين الذين وفروا له وثائق ومادة الكتاب، وخصّ الفنان علي خميس بالشكر لأنه إضافة لمشاركته في مراجعة مسودّات الكتاب، فتح «ألبوماته الخاصة» التي جمع صورها من خلال مسيرته الطويلة مع مسرح الشارقة الوطني، والصحف والمجلات التي احتفظ بها توثيقاً لهذه المسيرة.

علامات فارقة
وعن الظواهر المسرحية التي رصدها خلال عمله الأرشيفي الطويل، والعلامات الفارقة بين زمن البدايات وبين زمننا الراهن، أشار علي خميس إلى حيثية مهمة وهي: «القيمة النوعية لفن المسرح» التي يرى تفاوتها واختلافها بين الزمنين، وقال إن الواقع الحالي قدّم لنا أعمالاً كثيرة أشبه بـ«الوجبات المسرحية السريعة»، مضيفاً أن الفنان المسرحي في زمن البدايات كان ينطلق من رسالة واضحة، وشغف نقيّ، ودافع ذاتي، وارتباط حقيقي بالخشبة، بينما طغت اليوم الجوانب السلبية للاحتراف، مؤكداً أن التطور التقني لا يعني تطوراً لجوهر المسرح، فمع الاستسهال، وغياب حس التضحية، أو الإخلاص للخشبة، وضمور مكوّنها الإبداعي الخلّاق، وشيوع الهوس المادي لدى المسرحيين، تصبح هذه التقنيات مجرّد ظواهر خارجية مؤقتة، تضفي على المسرح تلك البهرجة المزيّفة، والقشور اللامعة، ولكنها في العمق لا تقدّم لنا سوى الفراغ! وتمنى علي خميس في نهاية حديثه، إنشاء هيئة مستقلة لتوثيق الأعمال والأحداث والمهرجانات المسرحية بالدولة، بحيث يكون لهذه المؤسسة ثقلها وتأثيرها في المشهد الثقافي المحلي، بدلاً من الاعتماد على الجهود الفردية وحدها، والمفتقرة للإمكانات المادية، ولفرق البحث المتخصّصة، والآليات المتقدّمة، والأطر التنظيمية الفاعلة والمستدامة.