هل أضحى العالم في مواجهة أزمة حقيقية طرفاها العلمانية الجافة من جهة، والأصولية المتطرفة من جهة أخرى؟ أغلب الظن، أن النظر إلى فرنسا، دولة التنوير، ومنبعه الرئيس في أوروبا، يخبرنا بذلك، ويمكن قراءة المشهد على نحو خاص في ضوء الأحداث الأخيرة التي جرت في مدينة نيس، وما قبلها.
والسؤال الجوهري: هل هذا الصدام بين التنوير الجاف والراديكاليات المتطرفة، أمر واجب الوجود، ومصير محتوم، وضعت أساساته «ربات الأقدار» في جبال الأوليمب كما في الأساطير الإغريقية القديمة، أم أنه «ما من قدر منقوش على حجر»! كما يقول فلاسفة التنوير الفرنسي؟

لا شك أن ما حدث في فرنسا في الأسابيع الأخيرة، يدفعنا دفعاً في طريق مواجهة خطاب الكراهية، ذاك الذي بات ينتشر في الفضاء السيبراني، عطفاً على السياقات التقليدية بأسرع شكل ممكن، محدِثاً أضراراً جسيمة في الحال، وتبعات أكثر هولاً في الاستقبال.

حدود حرية التعبير
غير أن الحدود الفاصلة بين خطاب الكراهية من جهة، والحق في حرية التعبير من جهة أخرى، تبدو مسألة مثيرة وحساسة، وتكاد تذهب بسلام العالم، لاسيما حين تتقاطع مع المقدسات.
 والشاهد أنه يمكن الافتراق وتعدد المشارب حول القضايا الإيديولوجية، أو المنطلقات السياسية، غير أن الأديان والمقدسات، هي مُطلق، لا يقبل القسمة ولا المعادلات الصفرية، كما أن إخضاعه أيضاً لحرية الرأي من غير ضابط أو رابط، أمر كفيل بأن يبدل سلام العالم إلى خصام، ويغير من الوفاق إلى افتراق، ومن هنا قد ينشأ خطاب الكراهية، وما يستدعيه من دماء، عطفاً على إثارة النعرات المذهبية والطائفية، والتي خُيل للعالم أنه قد خلّفها وراءه منذ مئات من السنين.

عمى الأنوار
تبدو فرنسا اليوم مثالاً لحالة التضاد بين علمانية جافة، أو أنوار تعمي، بحسب وصف الفيلسوف الفرنسي اليساري الشهير «ريجيس دوبريه»، وبين أصولية إسلاموية، وليست إسلامية بحسب البروفيسور الراحل محمد أركون، حرّفت صحيح الدين، وذهبت في طريق قطع الرؤوس باعتباره الرد الأكثر عنفاً وتطرفاً على شطحات الأنوار التي تعمي!
وهكذا، تكاد أوروبا، اليوم، تمضي في طريق مثير للقلق والمخاوف العميقة، طريق أتباع فولتير المتطرفين في إعمال العقل، من منطلق أنه الوكيل الوحيد والمصدر المتفرد في قيادة الجنس البشري.
والثابت أيضاً أن فولتير لم يكن وحده وراء مسيرة التنوير الجاف، فقد دعمه الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» بدوره، ولاسيما حين أشار إلى أن: «عصرنا هو عصر النقد الذاتي الذي ينبغي أن يخضع له كل شيء، بما فيه بعض العقائد الدينية ذاتها»! وفات كانط التساؤل: هل العقل البشري مطلق أم نسبي، محدود أم سابح في اللانهائيات؟

  • إيمانويل كانط
    إيمانويل كانط

روح التـنوير
حين يتوقف البعض في فرنسا عند قراءة واحدة للتنوير، قراءة جافة، لا تأخذ في عين الاعتبار مشاعر مليار ونصف المليار من المسلمين حول العالم، بذريعة إرث التنوير، فإن في الأمر انحرافاً محتملاً عن روح التنوير عينه، الأمر الذي يجعله أجوف من أي غرض إنساني، وبالتالي يكون مصيره اللحاق بالإيديولوجيات الطوباوية السابقة، من ماركسية وشيوعية ورأسمالية متوحشة!

القبول بالتعددية
هل يعني ذلك أننا ضد التنوير والأنوار؟ بالقطع لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، وإنما نرى أن على بعض الفرنسيين إعادة قراءة الهدف الرئيس من عصر الأنوار والنهضة، ولاسيما في القرن الثامن عشر الميلادي، فقد كان التوجه الرئيس هو كرامة الإنسان، وحقه في التحرر من أي وثوقية، بمعنى القبول بالتعددية، والعيش في أطر من تلاقي الأضداد، ومن غير أن يصبح التنوير أداة لإشعال الكراهية أو إطلاق حزازات الصدور.

الأصوليات الإرهابية
وعلى الجانب الآخر من المشهد الفرنسي، تجابهنا استحقاقات الأصوليات الإرهابية، تلك التي تمثلت في قاطع رؤوس المصلين في نيس، ذلك المشهد الذي ينبغي أمامه إطلاق مسارات المصارحة ومساقات المكاشفة، والبحث في كل الأحوال عن سبل مواجهته، وبخاصة لكونه آلية لانفجار خطاب الكراهية بأسوأ صوره، ومدعاة لاستيلاد حركات فاشية ونازية، عرفتها أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، ودفعت أكلافها عالياً وغالياً إلى أبعد حد.

علامة استفهام
والحال أن ثمة علامة استفهام رئيسة يطرحها مشهد نيس المؤلم: هل أوروبا كانت أمينة على التنوير الحقيقي، غير المغشوش، حين قبلت الأصوليين، ولاسيما الإرهابيين منهم، أولئك الملطخة أياديهم بالدماء، الهاربين من بلادهم بعد أن نكّلوا بالأبرياء وسفكوا الدماء؟
 لا يكاد يظن أي عادل أو عاقل أن التنوير الأوروبي منذ زمن الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة كان صادقاً، بل لعله كان، في بعض الأحيان، مغشوشاً في جانب كبير منه، فقد تنكّر لحق البشر في الحياة، وهو أول وأهم حقوق الإنسان، حين وفرت أوروبا الملاذات الآمنة لهذا الفصيل الذي يؤمن بالعنف والقتل وإشاعة الفوضى والإرهاب.

  • فولتير
    فولتير

خيانة للأنوار
ومن زمن النازية، مروراً بالحرب العالمية الثانية، واجتيازاً للحرب الباردة، ثم النظام العالمي الجديد، وصولاً إلى حالة الفوضى الأممية المعاصرة، تلاعبت بعض القوى الغربية بتيارات الإسلام السياسي، وخُيل إليها أنها من خلالها تستطيع أن تحقق مكاسب كبرى، ولاسيما في مواجهة الشيوعية، الأمر الذي اعتبر، ولا يزال، أكبر تناقض ونكوص، بل وخيانة للأنوار الحقيقية التي لا تعمي، وفات بعض الأوروبيين خاصة، والدوائر التنويرية الغربية عامة، أنه: «ما من أحد يحتل وينجو ببراءة»، بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي الجنسية البلغاري الأصل تزفيتان تودوروف.

الطائفية المتوحشة
كارثة التنوير المغشوش والأصولية القاتلة أنهما يولدان إرهاباً متخصصاً، إن جاز التعبير، إرهاباً يتقصّد المؤمنين حول الكرة الأرضية من الشرق إلى الغرب، إرهاباً محمولاً على موجات العرق واللون والجنس، الطائفة والدين والمذهب، أي العودة إلى منطق الطائفية المتوحشة، والقتل على الهوية، ما جعل خطاب الكراهية التنظيري، ينحو لأن يجعل من دور العبادة غرفاً للإعدام، من مسجد كيرست تشيرش في نيوزيلندا، وكاتدرائية سيريلانكا الكبرى يوم الفصح، مروراً بعدد من المساجد والكنس والكنائس في الداخل الأميركي، وصولاً إلى كاتدرائية نوتردام في نيس.

تسونامي الكراهية
يخبرنا حادث نيس الإرهابي الأخير، بأن تحفيز التعنت، واستيلاد الأصوليات، يفتحان الباب واسعاً لتسونامي الكراهية.
والراهن أن فرنسا خاصة، والغرب عامة، مدعوان لمواجهة لحظة مصيرية، لحظة تستدعي أزمنة التنوير الحقيقي غير المغشوش، ما يبطل خطاب الكراهية في المدى المنظور.

كوارث «الربيع العربي»
«لا أحد يحتل وينجو ببراءة»، مقولة ربما تستدعي وقفة من أصحاب التنوير الفرنسي الحقيقي، أمام التوجهات التي تعاطت مع فورات الأصوليين في بعض دول شمال أفريقيا، تلك الثورات المغشوشة التي أطلق عليها اسم «الربيع العربي»، الذي خلف موجات بشرية هادرة لاجئة إلى أوروبا، محملة بإرث من الكراهية، بعضه من أزمنة الاحتلال القديم، والبعض الآخر من جراء الأوضاع المأساوية والكوارث التي آلت إليها أحوال البلاد والعباد في دول ما سمى «الربيع العربي».