محمد عبدالسميع (الشارقة)

الاحتفال بيوم التراث الثقافي العربي، الذي أقرّته جامعة الدول العربيّة يوم 27 فبراير من كل عام، وعلى قدر ما يبعث من شجون وأحاسيس جميلة بقيمتنا وأصالتنا وماضينا وهويّتنا التي نقدّمها للأجيال،.. يدعونا في الوقت ذاته إلى المراجعة المؤسسية عربياً على مستوى الأبحاث والمهرجانات والمتاحف والبرامج الثقافيّة، لنعرف أين وصلنا في منطقتنا العربيّة التي تُعدُّ بيئةً غنّاء، بل بيئات من أغنى دول العالم في مجال التراث، بل هي مسرح الحضارات والإضافات البشريّة والعطاء الإنساني الذي ترك عبقه بمرور الزمن ليذكّرنا بعظمة هذه البلاد وأهميّتها وتسويق منتجها التراثي، كحالة سياحيّة اقتصاديّة فيما يُعرف باقتصاديات الثقافة.
تأتي هذه المراجعة كدعوة للتكامل العربي في موضوع التراث واقتصاديّاته، وأيضاً لتثبيت الهُويّة الوطنيّة، ولبعث الأجيال على الاعتزاز بماضيها وما تركه الأسلاف من آثار التراث الثقافي المادي وغير المادي، لذلك فنحن في هذا اليوم محتاجون فعلاً إلى ما يؤكّد كينونتنا وهويّتنا وبصمتنا مع دول العالم ومنظّماته في أن نفطن إلى مفرداتنا فنرفعها على قائمة التراث الثقافي المادي على شكل برامج واعية ومشروع مستمر، تقوم عليه الإرادة الوطنية في كل بلد عربي والوعي المجتمعي والحضور الفكري الذي يظلل كلّ ذلك.

نموذج مضيء 
وعلى الصعيد العملي والواقعي في هذا الموضوع، تُعدّ الإمارات من النماذج العربيّة المضيئة في جانب الحفاظ على التراث الوطني وصونه وتسويقه وإبرازه للأجيال، فعلى مستوى الدولة، ومنذ قيام الاتحاد فطنت القيادة الرشيدة إلى التوثيق والبحث عن النسخ المحفوظة والمخبوءة في صدور الحَفَظة وكبار السّن، كحكايات وأشعار وقصص ومفردات قديمة ودالّة من في المحتوى والمضمون والشّكل أيضاً (اللهجة)، فدأب الباحثون على أرشيف وطني تراثي في جغرافية غنية وثريّة ومتكاملة ولها خصوصيّاتها التي تدعو فعلاً إلى التكامل الجمالي بالمزيد من القراءات والمقاربات والاستخلاصات من هذه الكنوز التي تضيء على مراحل ناصعة من الأصالة والوجود، لتتأطر اليوم بثقة الرؤية والدافع الوطني والدعم البحثي واعتزاز القيادة الحكيمة لحكّام وشيوخ الإمارات بهذا التراث الأصيل والحثّ عليه.
ومن نافلة القول، إنّ الزائر لأي بلد أوّل ما يسترعي انتباهه هو تراث هذا البلد الذي يريد أن يتعرّف عليه، ويلتقط بجانبه الذكريات ويعود بخصوصيّات الطقوس الحياتيّة وأساليب العيش والمنطوق من الكلام ومدى رواج الأصالة في الأزياء ودلالاتها، وفي الوقت ذاته مدى توفّر متاحف تكون موجّهاً للزوّار والضيوف لكي يسيروا في رحلة ذهنيّة أمام كلّ مفردة من مفردات اللقى والآثار والعملات القديمة، بل وموادّ الاستخدام الأوّل لأدوات قديمة ووسائل كانت بنت لحظتها في فترات وأزمان ماضية نشتاق إليها اليوم في نوع من الحنين والتعبير الموشّى بالأدب، فننسج حولها الحكايات الدراميّة ونستعيد ما كُتب في جوارها من أحاسيس دافئة وعذبة في مقدّمتها أحاسيس الشعر والحكايات والقصص الجميلة، ولذلك يفرحنا أن نجد في كلّ إمارة إمّا جاليري خاصاً أو حكومياً يعتني بالتراث أو معهداً معنيّاً بشكل منظّم في حفظه وقراءة مفرداته أو نادياً أو مهرجاناً أو هيئة ثقافيّة تراثيّة متخصصة، ولذلك فتجربتنا الوطنية في حفظ التراث وصونه باتت محلّ اهتمام عربي وإشادة دوليّة من منظمات عالميّة بحجم منظمة اليونسكو، في مبادراتنا وحضورنا الإماراتي على خريطة عربيّة إنسانيّة غنية بالتراث.

تراث غني
ويحضرنا في الحديث عن التراث العربي ما تقوم به هيئة الآثار بالشارقة ومعهد التراث فيها، والأيّام التراثيّة ويوم الراوي، وما يمتدّ من متاحف وطنيّة على مستوى الدولة، ويحضرنا كذلك هذا النسيج الجميل من المجلات المعنية بالتراث المحلي والعربي، في الحوارات وتبادل جماليات الأفكار مع القرّاء حول غنى منطقتنا العربية بالتراث، وإذا كنّا نتحدّث عن الشّعر، بشقيه النبطي والشعبي، فلا ننسى بالطبع التظاهرة الشعريّة النبطيّة والشعبيّة الكبيرة التي يثري بها برنامج «شاعر المليون» جمهوره العربي كلّ عام، مثلما لا ننسى أكاديميّة الشّعر في أبوظبي والدراسات التي تتوفّر في ذلك، كما علينا أن نقف على عناية مهرجان الشارقة للشعر النبطي بالتراث وما يندرج ضمنه من طباعة دواوين شعريّة تُؤطّر خلالها اللهجات الخليجيّة والعربيّة، ومثل هذا الثراء أيضاً نجده في قرية التراث والغوص في دبي والعمل المتحفي والمهرجانات واستعادة برامج الشّعراء عبر الشاشة والعمل الدرامي، الذي يحيلنا إلى أيّام جميلة ورائقة نعيشها اليوم.

رؤية ثاقبة
وقد أخذت معظم الدول العربية بآليات تسجيل التراث الثقافي المادي وغير المادي، من خلال المبادرة إلى تسجيل ميداني عبر استمارات متخصصة تكون وعاءً ومهاداً لدراسات تقوم بها وزارات الثقافة في البلدان العربية وتتاح للدارسين والمتخصصين والمؤرخين، ويجد المهتم بهذا الموضوع أنّ دعوةً جادّة من اليونسكو كمنظمة عالمية للدول العربية إلى المبادرة بإظهار تراثها ووضع غير المعروف منه على قائمة التراث العالمي كمفردة بارزة، من البيئة الزراعيّة أو المأكولات الشعبيّة أو الرقصات الفلكلوريّة والألوان الغنائيّة، بل إنّ من التراث العربي ما اعتبر ضمن التراث الثقافي المهدد بالخطر تبعاً لظروف سياسيّة واجتماعيّة معيّنة تعيشها البلدان العربيّة، ولذلك فالجهود العربيّة هي المادة الأوليّة ضمن جهود دوليّة وإنسانيّة في مجال حفظ التراث وحمايته والتنبيه على أهميّته وحضوره على أكثر من صعيد.

وما دمنا نتحدث عن التراث الثقافي العربي، فإنّ جائزة إيكروم- الشارقة (المكتب الإقليمي لحفظ التراث الثقافي في الوطن العربي)، تُعبّر عن رؤية إماراتيّة ثاقبة جديرة بالاهتمام، في استضافة مكتب إيكروم العالمي في الشارقة وتبرّع صاحب السّمو حاكم الشارقة بالجائزة في فرعي: الممارسات الجيّدة في حفظ وحماية التراث الثقافي في المنطقة العربيّة، وجائزة التراث الثقافي العربي لليافعين.
والحقيقة أنّ الناظر في نتاج الفائزين بحقلي هذه الجائزة التي أُعلنت دورتها الثانية (2019-2020)، يجد غنىً في محاور التنافس وعناوين لافتة تتجاوز الاحتفاء الظاهري إلى الاحتفاء العملي والمؤسسي في التنبيه على مخاطر الحروب ومخلّفاتها، كما في الجائزة الكبرى عن فئة المواقع والمباني الأثريّة التي فاز بها مشروع إعادة وتأهيل سوق السقطيّة بمدينة حلب السوريّة، هذه المدينة التي شهدت اعتداءً على مقتنيات ومواقع تراثيّة مهمة، وفي الوقت ذاته يدلّنا فوز مشروع «الرقمنة والإسعافات الأوليّة للتراث الوثائقي لمجموعة المخطوطات في مكتبة المسجد العمري» بغزة على عناية الجائزة بهذا الجانب، ومثل ذلك فوز مشاريع إعادة تأهيل النظام النبطي للحماية من الفيضانات في البتراء بالأردن، وفوز مشروع الأرشيف الورقي لمعبد أبيدوس بمصر، يُضاف إلى هذا كلّه فوز مشاريع شبابيّة في البلدان العربيّة حول رقصات فلكلوريّة وحقول في الرسم والتصوير.. وهذا كلّه يعطينا مؤشّراً أنّ الجانب الاحتفائي العاطفي والوجداني من المهم أن يكون مدعوماً بجانب مؤسسي وتمويل يدعمه، وقد برزت الإمارات، محققةً نماذج عالية على المستويين العربي والعالمي في هذا المجال.