محمود إسماعيل بدر

يحتفل العالم باليوم الدولي للمسرح، الذي أقرّته الأمم المتحدة في 27 مارس من كل عام، وجائحة كورونا تدخل عامها الثاني، فيما يعيش قطاع المسرح الذي يعتبر الأكثر تضرراً من حالة إغلاقات المسارح، وتوقف العروض الجماهيرية، ومهرجانات واحتفاليات المسرح، ما أدّى إلى استخدام واسع للبديل «الافتراضي»، لمواصلة رسالة «أبي الفنون» نحو الجمهور، بعدما فقد وسيلة المشاهدة الحيّة والتواصل مع صالات وخشبات المسارح ودور الأوبرا، وغيرها من الفنون البصرية، عبر وسائل الإعلام على شبكة الإنترنت بكل أشكالها، وسط جدل كبير حول فكرة التّحوّل الرّقمي بالكامل.
والإمارات، وهي تحتفي بهذه المناسبة، تملك رصيداً كبيراً من الإنجازات في هذا المجال، وذلك تحت مظلة ووعي القيادة الحكيمة بأهمية المسرح كقوة ناعمة فاعلة، وكمشروع ثقافي وطني تتعين رعايته ودعمه مادياً وأدبياً ومعنوياً، ليمتد تأثيره داخلياً وخارجياً، ولتكريس ذلك، كان مهماً إنشاء بنية تحتية من المؤسسات والمسارح والمرافق النوعية لهذا الغرض، فجاء إنشاء «دائرة الثقافة» بحكومة الشارقة عام 1981، نواة العمل في مشروع الشارقة الثقافي، حيث اعتمدت الدائرة خططاً ومشاريع لتوسيع قاعدة العمل الثقافي الخلاّق، وفي مقدمتها «فن المسرح»، وتبنّت لهذه الغاية إطلاق سلسلة من المهرجانات، تصدرتها «أيام الشارقة المسرحية»، وانطلقت أولى نسخها في 10 مارس 1984، وشكّلت فضاءً للعمل المسرحي المنهجي، القائم على معايير وأسس مسرحية تهتم بهوية المسرح المحلّي، وتكريس تقاليد مهرجانية، منها الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، وتكريم روّاد المسرح الإماراتي، مع اتساع دائرة الجوائز، وحجم إصدار الكتب المتخصصة في الثقافة المسرحية.
 كما ظهر أداء جديد في تاريخ «الأيام» على صعيد الملتقيات الفكرية، ثم النّمو الكبير في نوع العروض المحلية الخالصة، وحققت التظاهرة بناء قاعدة جماهيرية واسعة للعروض المسرحية، وفي هذا السياق وصف الباحث عبد الإله عبدالقادر في كتابه «المسرح في الإمارات» أهمية «الأيام» بقوله إنها: «تعد واجهة حضارية للإمارات، بل لعلّها واحدة من أهم المهرجانات المسرحية العربية، بما جذبته من نخبة العروض، وكبار شخصيات وخبراء المسرح إقليمياً وعربياً، وإتاحة الفرصة الذهبية لتجارب المسرحيين الشباب، ثم الدور الكبير الذي لعبته الفرق المسرحية في إثراء الحراك المسرحي في الدولة». 

  • مشهد من مسرحية «النمرود» (الصور من المصدر)
    مشهد من مسرحية «النمرود» (الصور من المصدر)

الشارقة للمسرح العربي
هذا إلى جانب احتضان «الأيام» لملتقى الشارقة للمسرح العربي، وهو لقاء فكري سنوي يقرأ مستجدات الساحة المسرحية العربية عبر جملة من المحاور، وبمشاركة نخبة من الفاعلين في المشهد المسرحي المحلي والعربي، إلى جانب تعزيز مفهوم جديد للبحث النقدي والفكري والتنظيري في المسرح، من خلال تنظيم ملتقيات فكرية، كان آخرها الملتقى الذي أقيم على هامش النسخة الثلاثين بعنوان «المسرح والبحث الأكاديمي اليوم: الإشراقات والإشكاليات» بمشاركة نخبة من الباحثين العرب، وملتقى الشارقة التاسع لأوائل المسرح العربي الذي شهد مشاركة 13 طالباً وطالبة من معاهد وكليات المسرح العربية. ولعل ذلك يقودنا أيضاً للحديث عن بعض الإنجازات النوعية لهذه التظاهرة، متمثلة في بروز نخبة من كُتّاب المسرح، الذين صعد نجمهم في سماء المسرح العربي من أمثال: إسماعيل عبدالله، ومرعي الحليان، وحافظ أمان، وناجي الحاي، وباسمة يونس، وسالم الحتاوي، وصالح كرامة، وغيرهم. 

سلسلة مهرجانات
هي إذن قصة نجاح وعشق لفن المسرح ابتدأت مع «الأيام»، التي تواصلت جماهيرياً حتى نسختها الثلاثين لعام 2020، وأتبعتها الدائرة بسلسلة من المهرجانات: كلباء للمسرحيات القصيرة، المسرح الصحراوي، المسرح الكشفي، خورفكان المسرحي، دبا الحصن للمسرح الثنائي، المسرح المدرسي، ومهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، الذي تأسس عام 2015، وهو تظاهرة مسرحية تنظم كل سنتين وتقام في إمارة الشارقة خلال شهر فبراير على مدى سبعة أيام، وتتسابق فيها الفرق المسرحية الخليجية على نيل جوائز في مجالات الإخراج والتمثيل وسواها من فنيات العرض، ويهدف إلى إبراز التجارب المسرحية الأكثر تميزاً وجمالاً. 

«النمرود»: نجاح عربي وعالمي
على أن المحطة الثانية من هذه القصة تتوقف عند فصل نوعي آخر، يتمثل في تواصل المسرح في الإمارات مع حركة المسرح في العالم، ويكفي أن نلقي الضوء على العرض المسرحي الذي كتبه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بعنوان «النّمرود» وأخرج العرض للمسرح الفنان التونسي المنصف السويسي، وبعد رحيله عام 2016، قام على إخراجه محمد العامري، لمصلحة فرقة مسرح الشارقة الوطني التي تأسست عام 1975. 
 وعرضت «النمرود» على أكثر من 30 خشبة مسرح عالمية، منها على سبيل المثال: مسرح صموئيل بيكيت في الأكاديمية الوطنية في دبلن، ومسرح موسكو للفنون (غوركي)، وذلك احتفاء بالشارقة كضيف مميز على النسخة الـ32 من معرض موسكو الدولي للكتاب 2019، كما عرضت المسرحية على خشبة مسرح بالاديوم في مالمو السويدية، وعلى خشبة مسرح «لالاتينا» في العاصمة الإسبانية مدريد، وكذلك عروض في تورنتو الكندية وغيرها، هذا بالطبع إلى جانب عروضها المميزة على عدد من خشبات المسرح العربي، في كل من: القاهرة والإسكندرية وعمّان ودمشق والرباط وتونس والجزائر، بعدما حقق عرضها الأول في أيام الشارقة المسرحية، نجاحاً كبيراً. وفي الواقع إن جولة عروض «النمرود» عربياً وعالمياً، ليست محصورة في صورة العرض ذاته، وإنما هناك أيضاً مشروع مسرحي عربي تتبناه الشارقة، وهو اختيار نصوص مسرحية ذات قيمة فنية وجمالية وفكرية تخدم مشروع الدولة الثقافي برمّته، واستراتيجيتها في جعل المسرح رسالة سلام ومحبة كونية والتواصل مع ثقافات وحضارات الشعوب. 
أيام اللولو 
وفي السياق عرضت أيضاً مسرحية «أيام اللولو» نص وإخراج الفنان ناجي الحاي، وإنتاج فرقة مسرح دبي الأهلي، ضمن «مهرجان شاكي الدولي للمسرح» في أذربيجان، وسط حضور لافت يتقدمه مسؤولو وزارة الثقافة في أذربيجان وكبار المسرحيين، وجمهور حاشد تشكّل بعضه من الجالية العربية في مدينة شاكي، ثم عرض عدد من مسرحيات الحاي، مثل «ما كان لأحمد بنت سليمان» في مهرجان أفنييو الدولي في فرنسا، ثم «باب البراحة» في العام 2006، في مهرجان طرطوشة بإسبانيا، وغيرها من المسرحيات التي أوصلت صوت المسرح الإماراتي إلى جمهور عالمي متعدد، يؤكد أهمية تجدد هذا المسرح ومواكبته للتطور المتسارع الذي يشهده المسرح في العالم. 
وقال المسرحي ناجي الحاي لـ«الاتحاد» في هذا السياق: «إن المسرح الإماراتي بخير، على عكس ما يروّج له البعض، وإن مخزون الخبرات الذي تراكم لدى مبدعيه، لم يذهب سدى، بل أسفر بالفعل عن طاقة وقدرة بحاجة إلى تفعيل دائم، ومزيد من الثقة في إمكاناتها للذهاب بعيداً، وإن الإغراق في الثيمات المحلية ليس انفصالاً عن العالمية، فمن خلال تجاربي، سواء على خشبات مسارح دولية أو عربية، أستطيع أن أؤكد أن شيفرات هذه النوعية من الأعمال الإماراتية عالمية، وقادرة على الوصول إلى الآخر، بغض النظر عن الخلفية الثقافية، بما في ذلك حاجز اللغة، الذي يبقى وهمياً، ومتلاشياً في حضرة فن المسرح الحقيقي باعتباره فن الحوار مثل الموسيقى، فلا حدود للمنجز الإبداعي الأصيل».

الفجيرة الدولي للمونودراما
وما دمنا نتحدث عن تواصل الحراك المسرحي الإماراتي مع المسرح في العالم، فلابد لنا من الوقوف عند إمارة الفجيرة، التي خطت خطوات ناجزة في هذه المجال، بتعيين المهندس محمد سيف الأفخم رئيساً للهيئة الدولية للمسرح ومقرها في إمارة الفجيرة، بجانب إدارته لمهرجان الفجيرة الدولي للفنون، ومنصب رئيس الرابطة الدولية للمونودراما. ولا ننسى أيضاً في السياق الإشارة إلى المشاركة النوعية لهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، في فعاليات الاحتفال بالذكرى الـ50 ليوم المسرح العالمي، في مقر اليونسكو في باريس، ناهيك عن تنظيم «مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما» الذي انطلق عام 2003، وهو تظاهرة مسرحية تقام كل سنتين مرة، تحت مظلة مسرح دبا الفجيرة، وذلك احتفاء بالمسرح كفن يرتقي بوعي الناس، ويحسّن من ذائقتهم الفنية بعيداً عن بريق الجوائز والمسابقات. 

جمعية المسرحيين 
وجاء تأسيس «جمعية المسرحيين الإماراتيين»، ليضيف لبنة جديدة في صرح المشروع الثقافي للدولة، وتهدف إلى تنمية وتطوير المواهب المسرحية بين العاملين في مجال المسرح، وإعداد جيل ملم بالآداب والثقافة والفنون المسرحية، وكذلك نقل التجارب المسرحية المحلية إلى خارج الدولة وتحقيق انتشارها بالتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة، ثم تأسيس «الهيئة العربية للمسرح» في الشارقة عام 2007، وقد أخذت على عاتقها مهمة إقامة مهرجان وطني للمسرح في كل دولة عربية تحت مظلة وإشراف الهيئة، لغايات الارتقاء، وتوفير أسباب استمراره وديمومته، إلى جانب تنظيم ودعم عدد من المهرجانات التي تنظمها مؤسسات رسمية في الوطن العربي ومنها: المهرجان الوطني لهواة المسرح في المغرب، مهرجان المسرح الأردني، المهرجان الوطني للمسرح الموريتاني، مهرجان فلسطين الوطني للمسرح، مهرجان السودان الوطني للمسرح، مهرجان لبنان الوطني للمسرح، المهرجان الوطني للمسرح اليمني، مهرجان البحرين المسرحي، مهرجان العراق الوطني للمسرح. وتلتزم هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» أيضاً بدعم كافة أشكال الفنون التراثية والبصرية ومنها المسرح، ومن ذلك إطلاقها عام 2020 نسخة رقمية من «مهرجان دبي لمسرح الشباب»، لتشجيع الجمهور، وخاصة الشباب منهم، على الإقبال على الفنون المسرحية أثناء التزامهم بالبقاء في منازلهم خلال الفترة الاستثنائية المرتبطة بجائحة كورونا.

اليوم العالمي للمسرح
بدأت فكرة الاحتفال بـ«اليوم العالمي للمسرح» عام 1961 في المؤتمر الدولي التاسع للمعهد الدولي للمسرح بمدينة «فيينا»، وتم تحديد يوم عالمي للمسرح في 27 مارس من كل عام، وهو تاريخ افتتاح مسرح الأمم عام 1962، في موسم المسرح بباريس، الذي كان يحمل اسم «مسرح سارة برنار»، ومن ثم أصبح تقليداً حتى اليوم، ويتزامن مع الاحتفال إلقاء كلمة اليوم العالمي للمسرح التي يكتبها أحد رجال المسرح البارزين، وفي 1972 كتبها بابلو نيرودا، وقال فيها: نريد مسرحاً بسيطاً بلا سذاجة، نقدياً بلا امتهان لكرامة الإنسان.