فاطمة عطفة (أبوظبي)

التراث الشفهي والمدون وحكايات الجدات الواقعية والرمزية نصوص وصور لا تغيب عن خواطر الصغار والكبار، ويزيد السرد الأدبي من جمالها وفائدتها، وخاصة تلك القصص الموجهة للأجيال الناشئة أو للأطفال بمختلف أعمارهم. هكذا جاءت حكاية الكاتب التونسي ميزوني بناني الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الـ15 عن فرع أدب الطفل والناشئة، وهي بعنوان «رحلة فنان»، والصادرة عن دار «المؤانسة للنشر»، مصحوبة برسوم لا تقل عن النص الأدبي أهمية في توضيح مشاهد القصة بريشة الفنان إبراهيم الدريدي.
تبدأ حكاية الجدة لأحفادها وهي تحمل قفصاً للطيور يضم طائرين جميلين يملأان المنزل بأعذب الألحان، وهما حسون وأنثاه يتقافزان بألوان ريشهما الجميل. وقبل أن تأخذ الجدة مكانها المعتاد لسرد الحكاية، فاجأتهم بإعداد «خشبة مسرح وستارة، خلفها مصباح ودمى جلدية وملابس» وكل ما يلزم لتمثيل الحكاية بعد سماعها، كما تخبرهم بعد أن انتهت من روايتها. ثم تبدأ الحديث بتحية أحفادها قائلة: «يا سادة، يا مادة، الله يدلنا على طريق الخير والسعادة!» وتخبرهم بأن الحكاية عن طيور الحسون التي تعيش في أحد الأحراش، وكان الحسون «الزاهي» من أشهر أفرادها، وسيكون هذا العصفور الفنان بطل الحكاية، وهي تزيد من جمال السرد بترديد أبيات من الشعر.
تصور الحكاية حياة الحساسين وهم يمتازون بالطيبة والحكمة والتعاون، وتصف أحوالهم في الأحراش، وضرورة العمل والتعاون والبحث عن الرزق، وكيف تتبدل الأحوال وتترك تأثيرها السلبي على «الزاهي» الذي أخذت حالته تتبدل من نشاط وفرح إلى خمول وكآبة، وعلى الرغم من تشجيع زوجته له ظل على حاله. وكان صديقه «عنان» هو الوحيد الذي يعرف السر، حين طارا معاً قبل أسبوع وشاهدا تلك القرية السياحية الساحرة، التي بقي «الزاهي» مولعا بها، ولا يلبث أن يترك بيته وربعه ويهاجر إليها. وأول ما يلفت نظره في تلك القرية ببغاء ملون الريش يتكلم ويقلد الأصوات، ولما سمع صوت الحسون راح يقلده ويجمع الناس من حوله، كما يلتقي «الزاهي» أيضاً بخُطّاف وتنشأ بينهما صداقة طيبة.
ويعجب «الزاهي» بريش الخُطاف الملون فيأخذه إلى الحلاق ليلون ريشه ويزيد شكله جمالاً، مقلداً بذلك فناني المسرح والغناء، ولا يكتفي بهذا بل يغير أيضاً اسمه من «الزاهي» إلى «زهوان» وتنطلق شهرته في القرية السياحية بالغناء والرقص حتى يتملكه الغرور، ويشعر بسعادة لا يعكرها إلا ذكريات عائلته وأصحابه في الأحراش.
ويتوجه «عنان» إلى القرية السياحية بحثاً عن صديقه حتى يلتقيه وقد غير شكله، فيحدثه عن قرينته «أم الحساسين» التي فقس بيضها في غيابه ولم تجد من يساعدها على إطعامهم ومرافقتهم في مراحل نموهم. ويعود «الزاهي» مع «عنان» إلى موطنه وقرينته وصغاره، بعد أن استعاد اسمه وشكله الأصلي، وفي الأحراش يحاكم على هروبه ويحكم عليه القاضي بأربع ساعات كل يوم لتعليم صغار الحساسين الفنون اللازمة لحياة الطيور الملونة، وفي نهاية مرحلة التدريب يأخذهم في رحلة إلى القرية السياحية، ويعود بهم إلى الأحراش وقد أعجبوا بجمالها.
وتستمر الجدة في الحكاية وتكبر الطيور الصغيرة، ويتزوج «خفاق» ابن «الزاهي» بحسونة أجنبية ويهاجر معها إلى الشمال، وهناك يأتي ابنه «بهيج» مثل جده. وتنتهي الحكاية بعودة «خفاق» وابنه تتبعه قرينته إلى الأحراش ليجد أن نقار الخشب صنع تمثالاً للحسون «الزاهي». ولعل الجميل في هذه الحكاية أن القارئ، يشعر بأنها تتحدث عن البشر بلسان طيور الحساسين.