حوار- سعد عبد الراضي

يظل التراث على مر العصور بالنسبة لأي مجتمع هو نواة ثقافته وأساس هويته ومنطلق مسيرته والمنطلق الراسخ على درب نهضته، وتظل دولة الإمارات العربية المتحدة أنموذجاً يُحتذى به في حمل راية الأصالة والمعاصرة، وهي تبني لتواكب وتسابق العالم في التنوير والتمدن والتطور، وقد أولت الدولة منذ قيام الاتحاد كل عناية واهتمام للتراث، فأنشأت لحفظه وتثمينه المؤسسات المتخصصة، وجعلته جزءاً أصيلاً من كل استراتيجية تنفذها أو تنوي طرحها، حتى أصبح الاحتفاء بالتراث ركناً رئيساً وبرنامجاً أصيلاً في جهود العديد من مؤسسات الدولة. ولأن القيادة الرشيدة تعرف قدره وقيمته ودوره وجّهت بأن يتواصل تسلّم راية الحفاظ عليه من جيل إلى جيل مهما كانت التحولات الاقتصادية المتسارعة، وجنباً إلى جنب مع تسارع التطورات العلمية. وما أجمل أن نرى في لوحة الوطن تلك الصورة المعبرة عن وهج الحاضر المستمد من أصالة الماضي، حيث رأى العالم إنجازات شباب الإمارات وهم يصِلون كوكب المريخ، وفي الوقت نفسه وهم يغرسون نخلة العز والفخر والشرف في هذه الأرض الطيبة، أرض المحبة والتسامح والسلام.
«الاتحاد» التقت فاطمة المنصوري مدير مركز زايد للدراسات والبحوث التابع لنادي تراث الإمارات، لنرسم للقارئ الكريم لوحة تعكس المشهد التراثي، من حيث هو إغناءٌ للذاكرة، وإثراء للمشهد الثقافي، واعتزاز بالهوية الوطنية.
وفي البداية أكدت فاطمة المنصوري أن القيادة الرشيدة لا تدخر جهداً من أجل الحفاظ على الموروث الإماراتي الأصيل بكل جوانبه، وأن مركز زايد للدراسات والبحوث الذي يعد الذراع الثقافية لنادي تراث الإمارات، يعمل على تجسيد توجهات الدولة في دعم التراث بنوعيه المادي والمعنوي من خلال مجموعة من البرامج والأنشطة والمبادرات التي خطط لها بعناية شديدة لتحقق الأهداف والغايات وتواكب التطورات.

متحف زايد
وأفادت فاطمة المنصوري أن من بين الركائز الرئيسة للحفاظ على التراث الاعتناء بإرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه»، المعبر عن الإرث الإماراتي في أبهى صوره، ولذا كان معرض الشيخ زايد الذي تأسس عام 2009 ليضم كماً كبيراً ونوعياً من تاريخ الدولة يتمثل في مقتنيات الأب المؤسس من شهادات وأوسمة وهدايا وقلائد منحت له من مؤسسات إنسانية وجهات رسمية، ليتعرف الجميع، مواطنين ومقيمين وزائرين من مختلف دول العالم، عن قرب، على إرث الشيخ زايد وتاريخ دولتنا الحبيبة.

محطات من حياة الشيخ زايد
وأشارت المنصوري إلى أن المركز إضافة إلى معروضات المتحف يعمل على التعريف بكل معروض بصفة خاصة، ويسلط عليه الضوء من خلال ندوات وملتقيات ثقافية، فعلى سبيل المثال يوجد في المعرض وسام الاستحقاق اللبناني الذي أهدي للشيخ زايد في فترة زمنية محددة، وقد قام المركز بعقد ندوة افتراضية دارت محاورها حول العلاقات الثقافية الإماراتية اللبنانية. وكذلك شهادة بابا الفاتيكان عن الشيخ زايد التي قدمت له عام 1972 تقديراً لجهوده الإنسانية، حيث سلط المركز الضوء عليها وعلى مكتسبات من إرثه الإنساني، كالاحتفاء بمنجز الرابع من فبراير، ذلك اليوم الذي وافقت فيه منظمة اليونسكو بناء على طلب من الإمارات على أن يكون يوماً عالمياً للتسامح. كما استعرض المركز أيضاً ضمن فعالياته في هذا الشأن كتابيه «زايد رحلة في صور» و«السياسة السلمية للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان»، بالإضافة إلى الاحتفاء بمناسبات وطنية مهمة مرتبطة بالأهداف السامية للحفاظ على التراث كالسادس من أغسطس يوم جلوس الشيخ زايد عام 1966، وكذلك يوم زايد للعمل الإنساني، وغيرهما من الأيام المهمة في تاريخ الإمارات.

200 إصدار في التراث
وفيما يخص الإصدارات أشارت المنصوري إلى أن المركز أصدر مئتي عمل لتعزيز التراث المعنوي، وذلك في مجالات كالأمثال والحكايات الشعبية والألغاز وغيرها، وأكدت أن المركز يعتبر من أوائل المؤسسات الثقافية التي اهتمت بالشعر الشعبي وأرّخت له، فمنذ تأسيس لجنة الشعر الشعبي عام 1993 والمركز يضعه على رأس أولوياته باعتباره مصدراً مهماً من مصادر توثيق الحياة الاجتماعية والثقافية لشعب الإمارات عبر العصور، بل إنه يتوافق تماماً مع المصادر العالمية التي أرخت للجانب الاجتماعي في الدولة في عقود سابقة، فنجد مثلاً قصيدة توثق اللحظات التي بدأت فيها أولى شركات النفط أنابيبها في رمال أرضنا الغالية، ذلك التوثيق الذي يتوافق مع ما يرد بالوثائق البريطانية في هذا الجانب بشكل دقيق.

دعم الباحثين الشباب
وأضافت فاطمة المنصوري أن المركز لا يقتصر دعمه فقط على الكتاب المعروفين في الشأن التراثي، بل يستقصي ويبحث أيضاً عن الشباب المهتمين بالتراث، ويدعمهم بكل ما يحتاجون إليه، من توفير المصادر والمعلومات وانتهاء بطباعة كتبهم، ثم تشجيعهم فيما بعد حتى تستمر رحلة المحافظة على التراث قائمة وموروثة من جيل إلى آخر، ومن بين هؤلاء باحثون أصبحوا الآن متميزين وذوي خبرة وشهرة كبيرتين.

معجم اللهجة المحلية
وبالحديث عن أنشطة المركز الآن، أكدت المنصوري أنه يقدم افتراضياً في ظل تداعيات كورونا محاضرتين أو أكثر شهرياً ضمن الموسم الثقافي الذي يستمر طوال العام، مشيرة إلى جهود المركز في تعزيز وتوثيق كل ما يخص التراث، ومن بين ذلك اللهجة المحلية، حيث أصدر «معجم اللهجة المحلية»، وهو معجم مهم يعين الأجيال على المحافظة على الموروث المنطوق. كما أشارت كذلك إلى كتاب «تاريخ الإمارات عبر العصور» الذي شاركت فيه نخبة من المؤرخين الإماراتيين والعرب، من بينهم المؤرخ الدكتور جمال زكريا قاسم، وكذلك كتاب الهوية الوطنية في الشعر النبطي، وكتب أخرى توثق التراث الاجتماعي الشعبي ككتاب «الحلي»، مضيفة أن المركز لا يكتفي بطباعة الكتب والدواوين فقط، وإنما يهتم أيضاً بكُتابها والمضامين التي كتبوا فيها وكل ما يتعلق بمشاريعهم القادمة.

آداب السنع
وأفادت المنصوري أن المركز على تواصل دائم مع مختلف مؤسسات الدولة للمساهمة في تعزيز التراث بشقيه المادي والمعنوي كوزارة الثقافة وتنمية المجتمع، وأنه يبادر بالتواصل حال علمه بالمضامين أو الأشخاص الذين يسعون إلى المشاركة في تعزيز الموروث. وأضافت أن تعاوناً تم مؤخراً مع كلية الشرطة ليكون من بين مقررات العام الدراسي على طلاب الكلية كتاب يحمل عنوان «آداب السنع» ويهتم بالعادات والتقاليد المتعلقة بالمجالس والضيافة وما يرتبط بهما.

المخطوطات والمتاحف الخاصة
وفيما يخص المخطوطات أشارت المنصوري إلى أن المركز يضم 570 مخطوطة من المخطوطات التاريخية المهمة التي تعتبر مصادر تاريخية للباحثين، وأنه حقق منها 13 مخطوطة، كما إنه يمتلك مجموعة كبيرة من العملات النادرة، مضيفة أن المكتبة التي يضمها المركز تحتوي على عدد كبير من الدوريات والوثائق البريطانية والعربية التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر الميلادي، كما أكدت أنه يهتم أيضاً بالمتاحف الخاصة ويدعمها ويعتبرها شريكاً رئيساً في جهود الحفاظ على التراث.

القوة الناعمة
واختتمت فاطمة المنصوري حديثها، مؤكدة أن حفظ وتثمين التراث أصبح من أولويات دول العالم، لأنه مصدر من مصادر القوة الناعمة، مؤكدة في الوقت ذاته أن المنشغل بالتراث باعتباره رافداً رئيساً من روافد الهوية والثقافة المحلية عليه أن يتمتع بالبساطة، لأنها من مكونات الموروث، ولأن الثقافة لا يمكن أن تصل للمتلقي من أبراج عاجية، كما أنها أيضاً ليست مظهراً مخملياً صامتاً، مضيفة أن المركز يضع توصيل التراث للشباب والأجيال القادمة في صدارة أولوياته، سواء عبر المنصات التقليدية أو المنصات الافتراضية.