أحمد مراد (القاهرة)

الكعبة المشرفة، بيت الله الحرام، أول بيت بني في الأرض، بحسب روايات تاريخية ودينية، فقد بُنيت 12 مرة على مر أزمنة مختلفة، كان أولها بوساطة الملائكة بوضع حجارة الأساس للمبنى، وبعدها شيد آدم المبنى، وبناه من بعده ابنه شيت، وهُدم بفعل الطوفان في عهد نوح، وبعدها قام إبراهيم وولده إسماعيل ببناء الكعبة مرة أخرى.
وعلى مر الأزمنة ارتبطت الكعبة بالكسوة التي توارثها المسلمون منذ عهد النبي الذي كساها بالثياب اليمانية، ومن بعده كساها أبو بكر وعمر بالقباطي، وكساها عثمان بن عفان بالقباطي والبرود اليمانية، فكان عثمان أول رجل في الإسلام يضع على الكعبة كسوتين، إحداهما فوق الأخرى.
وحافظ المسلمون على عادة كسوة الكعبة في عهد بني أمية وبني العباس وخلال عصر الفاطميين والمماليك، حيث تشرفت مصر بصناعة كسوة الكعبة، وكانت تصنع وترسل كل عام.
وفي سنة 751 هجرية خصص الملك الصالح إسماعيل بن عبدالملك الناصر محمد بن قلاوون وقفاً خاصاً لكسوة الكعبة، كان عبارة عن قريتين من قرى محافظة القليوبية، هما: بيسوس وأبو الغيث، وكان يتحصل من هذا الوقف على مبلغ 8900 درهم سنوياً، وبعدها أضيفت إليهما سبع قرى أخرى، وظلت الكسوة تُرسل بانتظام من مصر كل عام، حيث كان يحملها أمير قافلة الحج المصري.

وفي العام 1233 هجرياً الموافق لعام 1818 ميلادياً، تأسست دار لصناعة كسوة الكعبة في حي الخرنفش في القاهرة، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1963 ميلادياً، وكان يقام حفل رسمي وشعبي كبير عند خروج الكسوة، بعدها تولت المملكة العربية السعودية شرف صناعة كسوة الكعبة، حيث أسس الملك عبدالعزيز دار خاصة لصناعة الكسوة في منطقة أجياد بمكة، وخرجت أول كسوة في العهد السعودي في العام 1346 هجرياً.
وفي العام 1397، نُقلت صناعة الكسوة إلى مصنع جديد في منطقة أم الجود بمكة، وما زالت الكسوة الشريفة تُصنع فيه إلى وقتنا الحالي، ويضم المصنع أكبر مكينة خياطة في العالم من ناحية الطول، حيث يبلغ طولها 16 متراً وتعمل بنظام الحاسب الآلي.
وتمر صناعة كسوة الكعبة بمجموعة من المراحل تبدأ بجلب أجود أنواع الحرير الطبيعي في العالم على هيئة شلل بيضاء مائلة للصفرة، ويجرى عليها عدة اختبارات للتأكد من متانة الحرير وجودته، وتستهلك كسوة الكعبة أكثر من 700 كجم من الحرير، بعدها تأتي مرحلة الصباغة، ثم النسيج الآلي الذي يحتوي على العبارات والآيات القرآنية، ويأتي بعدها مرحلة تطريز الحزام وخياطة الكسوة.
وفي منتصف شهر ذي القعدة من كل عام، يقام حفل سنوي في مصنع الكسوة يتم فيه تسليم الكسوة الجديدة إلى كبير سدنة بيت الله الحرام، وتأتي آخر قطعة يتم تركيبها، وهي ستارة باب الكعبة، وبعد الانتهاء منها تتم عملية رفع ثوب الكعبة المبطن بقطع متينة من القماش الأبيض، وبارتفاع نحو 3 أمتار من شاذروان «القاعدة الرخامية للكعبة» والمعروفة بعملية «إحرام الكعبة»، ويُرفع ثوب الكعبة المشرفة بهدف حمايته.
وتستبدل الكعبة كسوتها مرة واحدة في شهر ذي الحجة من كل عام، فبعد أن يتوجه الحجاج إلى صعيد عرفات، يتم تغيير كسوة الكعبة وإسدال الثوب الجديد عليها، استعداداً لاستقبال الحجاج في صباح اليوم التالي وهو يوم عيد الأضحى.