خولة علي (دبي)

تروي المتاحف الشخصية، جهود ومساعي أصحابها، الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية حفظ إرث الأجداد، فلم يتنازلوا عن قطعة منها، إنما جعلوا من أفنية منازلهم محطات احتضنتها، لتروي تاريخ الماضي وتجسّد مرحلة هامّة من حياة أهالي المنطقة، فعند عتبة قرية «بن درويش» التراثية، يتوقف الزمن لنطل على الماضي بتفاصيله، من مقتنيات وأدوات، مشبّعة بأصالة الماضي، تاركة بصمة الأوائل من الحرفيين، الذين استطاعوا أن يبتكروا منتجات ومشغولات قادرة على تلبية احتياجات الناس قديماً، ذلك الأثر الجميل الذي كان له دور مهم في مرحلة ما، دفع عبدالرحمن علي بن درويش إلى حفظ إرث أجداده، والتي شكّلت تفاصيل حياتهم وواقعهم في الماضي، مؤسساً قرية تراثية تضم أربعة آلاف من القطع الأثرية لتعد نافذة حيّة، تروي الماضي لكل شغوف به وراغب في التعرف على تراث وثقافة هذه الأرض.

لوحة من التاريخ
يأخذنا علي عبدالرحمن بن درويش في ثنايا هذه القرية التراثية، القابعة في فناء منزله في منطقة الظيت الجنوبي في رأس الخيمة، كلوحة من التاريخ، نتوقف عند محطاتها لنرتوي بالموروث الشعبي، الذي طالما سمعنا عنه من أجدادنا وتعرّفنا عليه في المهرجانات التراثية، لنبحث بين طيّات الماضي وسحره، وبمختلف بيئتها الساحلية والبرية والجبلية، ونظراً لإيمانه وإيقانه أن التراث جزء لا يتجزأ من حضارة البلد ومستقبله، فلا يمكن التفريط فيه، قائلاً: لقد تعلّمنا من الأجداد أهمية التراث الذي هو انعكاس لحضارة أي أمة، فلا حاضر ولا مستقبل من غير الماضي الذي يعتبر الإرث المرجعي الذي تنطلق منه أي دولة، لتبقى صلدة قوية قادرة على تحقيق رؤيتها المستقبلية بكل وضوح.

  • جانب من مقتنيات القرية (تصوير إحسان ناجي)
    جانب من مقتنيات القرية (تصوير إحسان ناجي)

ويتابع ابن درويش: فعندما تجد أنك تملك الكثير من المقتنيات، التي أصبحت مجرد ذكرى أو قراءة دقيقة لمرحلة زمنية معينة، لها ظروفها وأحداثها التي نستمد منها الكثير من العلوم والمعرفة، لتبين مدى قوة وقدرة الآباء والأجداد الذين ابتكروا وأنتجوا شيئاً من لاشيء، فهي قد تكون فرصة للأجيال القادمة في النظر إلى الأثر الذي تركه الأجداد، في وقت قلة الإمكانيات والمقدّرات، على عكس ما نعيشه اليوم من تطور في مجالات الحياة كافة، التي يجب أن تفتح للأجيال الكثير من الفرص في البحث والابتكار، دون أي مشكلة أو حتى عوائق.

مقتنيات تراثية
وأشار إلى وضع حجر الأساس لقرية ابن درويش التراثية، تزامناً مع الاحتفال باليوم الوطني عام 1999، وكانت لديه الكثير من المقتنيات التراثية النادرة التي جمعها منذ ما يقارب ثلاثة عقود لتبلغ أربعة آلاف قطعة تراثية، فمنها ما ورثه عن أجداده، ومنها ما اقتناه من سوق المقتنيات، أو من بعض الأشخاص، فكان لديه شغف كبير في كيفية تجسيد البيئة التراثية، ورسم ملامحها من جديد، حتى تكون بمثابة محطة غنية وثرية، بمحتوياتها ونافذة تطل الأجيال من خلالها على الماضي بمكوناته ومفرداته، فشرع في تحويل فناء منزلي ليكون كبوابة للعودة لأصالة الأجداد، حيث أنشأ كل بيئة بمفرداتها، مثلاً بيت العريش التي انتشرت عند أهل الساحل وأهل البيئة الزراعية، وبيت الطين والحجر عند سكان الجبال.
وأوضح أن القرية تضم مقتنيات فريدة، منها مجموعة من الأجهزة القديمة ومنها المذياع، بأنواعها وأحجامها، الكاميرات والآلات الطباعية، والهواتف والأسلحة التقليدية، كالسيوف والخناجر، بالإضافة إلى البنادق التي حملت مسميات قديمة، منها أم عشر، صمعة، أم فتيلة، مانية، وكلها قد استخدمت من قبل الأهالي قديماً في الدفاع عن أنفسهم، إلى جانب توفر عدد من المصاحف القديمة جداً والمخطوطة باليد، المؤرخة عام 1370، وأخرى تعود إلى ثلاثمئة سنة، بالإضافة إلى العملات القديمة، والكثير غيرها.

شواهد رائعة
ويؤكد ابن بدرويش: وجود مثل هذه المتاحف والقرى التراثية، هو بمثابة تحفيز الأجيال على إدراك ما صنعه الأجداد من أعمال رائعة بمقومات بسيطة جداً، كانت لها بالغ الأثر في تلبية احتياجاتهم في ذلك الزمن، وهناك الكثير من الشواهد الرائعة لمجموعة من القطع النادرة التي تبين حقيقة مدى محاولات الحرفيين الأوائل على تطوير أدواتهم، على سبيل المثال، أدوات البيئة الزراعية، وعملية استخراج الماء من الآبار للزراعة، فاستخدمت في البداية طريقة المغرافة، وهي عبارة عن دلو يربط بحبل، ويرمى في البئر، ويعلق عند الطرف الآخر بالثقل من الحجارة، ثم يستخرج الماء من البئر بكل سهولة، ثم تطور إلى أسلوب آخر بما تسمى باليازرة، وهي عبارة عن أربعة جذوع طوال من أشجار النخيل، يتم تثبيتها على البئر، وتوضع عليها بكرة لتسهل عملية سحب الثور للحبل، وفي آخر الحبل المجدول يثبت دلو أو اثنان، يملآن بالماء، بعدما يرخي الثور الحبل نزولاً، ويرفعان مملوءين صعوداً.