تامر عبد الحميد (أبوظبي)

وصل الموسيقيون الإماراتيون إلى مراكز متقدمة في عالم الموسيقى، واستطاعوا بإبداعاتهم وشغفهم الفني وإتقانهم العزف على آلات موسيقية مختلفة، تقديم حفلات في عدد من المسارح المحلية والعربية والعالمية، بل وحصدوا جوائز دولية من مهرجانات موسيقية مختلفة، وكان التنوع في عزف المقطوعات العالمية وتأليف بعضها والمزج بين الغربي والشرقي عنواناً للنجاح والتألق، ولكن رغم هذا التميز إلى أن المقطوعة الموسيقية المحلية والتراثية لم تنل حقها حتى الآن في عملية التأليف الموسيقي من قبلهم بآلات موسيقية عربية وشرقية بحتة، ورفعت شعار «موجودة.. ولكن محدودة».

«دنيا الاتحاد» التقت مجموعة من أبرز الموسيقيين الإماراتيين، ليتحدثوا عن أسباب ضعف تنفيذ وتلحين مقطوعات موسيقية خاصة بهم، حيث قالت إيمان الهاشمي أول ملحنة أوركسترا إماراتية وعازفة بيانو ومؤلفة موسيقية: رغم وجود ألوان وإيقاعات موسيقية مختلفة بين دولة وأخرى، مثل الأوروبية والعربية والهندية والصينية والتركية، لكن تبقى الموسيقى لغة عالمية واحدة، تحيط بتنفيذها عوامل مختلفة ترتبط بالظروف البيئية والمعيشية والاقتصادية، وتطورات العصر والتقنيات الحديثة في عالم الموسيقى، لذلك فيجب علينا احترام الماضي ومواكبة الحاضر، وفي الوقت نفسه المحافظة على الأصالة والتراث في تنفيذ المقطوعات خلال استخدام آلات مختلفة، مثلما فعل الموسيقي العالمي نصير شمة بتنفيذ آلة موسيقية تدمج بين العود والتشيللو.

  • إيمان الهاشمي
    إيمان الهاشمي

وأوضحت الهاشمي أنها إحدى الموسيقيات التي نفذت بعض الألحان المحلية بآلات عربية وشرقية بحتة مثل العود والربابة، وبما أنها ملحنة أوركسترا فقد قدمت ألحاناً لأغانٍ بإيقاعات ومقامات إماراتية بحتة مثل أغنية «أم الإمارات» التي أداها الفنان المياسي، كما نفذت حملة مع موسيقيي العالم بعنوان: «من الإمارات إلى العالم»، لتمزج بأناملها إيقاعات إماراتية بأخرى من بلدان عربية وعالمية أخرى، مثل إيطاليا والجزائر ومصر والسودان والمغرب وموريتانيا وفرنسا ولبنان، لافتة إلى أن المؤلف الموسيقي يستطيع تنفيذ مقطوعات مختلفة تعبر عن حالة بعينها، وعليه أن يختار نوعية الآلات المستخدمة سواء شرقية أو غربية أو الدمج بينهما.
وترى الهاشمي أن أحد أسباب عدم تنفيذ وتأليف عدد من المقطوعات الموسيقية المحلية يعود إلى التصنيفات، فكل موسيقي يحدد نفسه في مجال محدد في عالم الموسيقى مثل سولو أو أوركسترا أو كلاسيكي، وإذا اجتمع كل منهم بغض النظر عن التصنيف في تطويع هذه الإبداعات كأوركسترا خاصة بتنفيذ مقطوعات بلغة وروح واحدة، سيظهر لديهم العديد من المقطوعات الخاصة بهم.

  • نورة المزروعي
    نورة المزروعي

دعم معنوي
فيما قالت الموسيقية وعازفة القانون الإماراتية د. نورة صابر المزروعي: يعد التأليف الموسيقي من أعلى مراحل الرقي في فن الموسيقى، وهناك عدة مراحل تسبق مرحلة التأليف، يجب على العازف أن يفرغ وقتاً كافياً ووافياً لفهم النظريات الموسيقية، وهذا لا يتحقق إلا بالدراسة نظرياً وعملياً، لذلك إذا تمكن العازف من فهم النظريات الموسيقية وتقوية أذنيه بالاستماع للموسيقى والغوص في محيط المقامات مع التدريب العملي اليومي يمكن أن يصل إلى مرحلة التأليف الموسيقي، وبذلك ستكون المقطوعة الموسيقية المحلية حاضرة وبقوة. وتابعت: لكن العديد من الموسيقيين هم عازفون بالفطرة، وليس لديهم الوقت الإضافي لدراسة الموسيقى، فكل منهم لديه ظروف عملية وحياتية مثل التزامهم الوظيفي والعائلي، التي تحد من الغوص في محيط الموسيقى، وبالتالي يصعب عليه الارتقاء إلى مرحلة التأليف الموسيقي. وشددت المزروعي على أهمية الدعم المعنوي والمادي للمبدعين المحليين في مجال الموسيقى، من أجل الوصول إلى مراحل أكثر تقدماً في هذا العالم، وقالت: لا أحد ينكر أن ما وصل إليه الموسيقي الإماراتي، من إبداعات خرجت من نطاق المحلية، لكنه لا يزال بحاجة إلى الدعم الأكبر للوصول إلى مرحلة التأليف الموسيقي، ليمثل الإمارات بهذه الأعمال المحلية داخلياً وخارجياً خير تمثيل.

  • حمد الطائي
    حمد الطائي

روح الصحراء
من جهته، أوضح حمد الطائي مؤلف أوركسترا سيمفونية وعازف بيانو، أنه يحاول من خلال إبداعاته أن ينشر الموسيقى الإماراتية إلى العالم كله، وقال: استفدت من عملي كطيار ومن خلال أسفاري وجولاتي المتعددة، استوحيت المقطوعات الموسيقية التي أعزفها، واستطعت حتى الآن تنفيذ 31 مقطوعة من تأليفي، أغلبها مزجت فيها الشرقي بالغربي مع موسيقى معاصرة، مستخدماً آلات أخرى مثل العود والقانون والناي، مثل «روح الصحراء»، لافتاً إلى أن لكل مؤلف له إمكاناته في التأليف بألوان مختلفة، وبما أنه يعلم أن الموسيقى لغة واحدة يفهما الجميع، فرسالة كل مقطوعة ستصل إلى الآخر كما هي، فمن يستمع إلى «صوت الصحراء» يستشعر أنها تحكي عن منطقة عربية، رغم أنها مزيج من الآلات الشرقية والغربية. وتابع: بالنسبة لي وبحكم أنني مؤلف أوركسترا سيمفونية، لا أجد صعوبة في تأليف مقطوعات موسيقية محلية خاصة بي، وبآلات خليجية وشرقية، ولكن ما ينقصني هو القصة، فإن اعتمادي الأكبر في التأليف على القصة نفسها، فأتذكر أن أول مقطوعة نفذتها كان أيام دراستي، حيث كنت أذهب من أبوظبي إلى العين للدراسة هناك، ويومياً كنت أشاهد المناظر الخلابة وشروق الشمس والكثبان الرملية، فألفت مقطوعة خاصة بالتطور الذي وصلت إليه الإمارات، لذلك فإن وجود القصة أو المناسبة سيخلق لديه الحس الفني لتقديم مقطوعة محلية، كاشفاً أنه يستعد لتنفيذ مقطوعة موسيقية في اليوم الوطني الـ50 لدولة الإمارات، وسيترجم من خلال ألحانه وإيقاعاته الإنجازات التي حققتها الإمارات من الصحراء إلى الفضاء. 

موهبة فطرية
بينما أكدت الموسيقية فاطمة الهاشمي، مغنية أوبرا وعازفة بيانو وتشيللو، أن التأليف الموسيقي يحتاج إلى دراسة وتعلم وخبرة لسنوات طويلة من أجل الوصول إلى هذه المرحلة الفنية، التي وصل إليها موسيقيو العالم بعد سنوات من اكتساب الخبرات والمعرفة، وقالت: أغلبنا درس الموسيقى الغربية والكلاسيكية، والبعض الآخر لم يدرس الموسيقى، وكان اعتماده على موهبته الفطرية وتطويرها، لذلك فأغلب الموسيقيين المحليين لا يزالون في بداياتهم، ويحتاجون إلى سنوات من الخبرة والتعلم للوصول إلى عملية التأليف الموسيقي وتنفيذ مقطوعات خاصة بهم، موضحة أن معظم المقطوعات الموسيقية المحلية تعزفها الفرق الوطنية بالدولة، والتي تقدم في المناسبات الوطنية والمهرجانات الموسيقية في الإمارات.

  • فاطمة الهاشمي
    فاطمة الهاشمي

عناصر التأليف الموسيقي
أشارت الموسيقية فاطمة الهاشمي إلى أن تنفيذ الألحان والتأليف الموسيقي يحتاج إلى عملية استدراك واختيار السلم الموسيقي أو المقام الذي سيكتب به العمل، يتبعه اللون والطبيعة العامة والحالة النفسية والتعبيرية التي يريد المؤلف الموسيقي أن يكتب عمله فيها، ويتكون التأليف الموسيقي من أربعة عناصر أساسية في تكوينه، وهي: اللحن، الإيقاع، ‏‏الهارموني، والطابع الصوتي، وتخضع تلك العناصر الأربعة للمزج ضمن نسيج متجانس ومتآلف صوتياً، وهذه المكونات الأربعة تدخل في بناء أي شكل موسيقي، منهجي، مبني وفق الطرق والأساليب العلمية الصحيحة للتأليف الموسيقي، واختلاف الأعمال الموسيقية وتنويعها بين المؤلفين الموسيقيين يأتي من خلال تباين هذه العناصر الأربعة وأسلوب استخدامها وتنوع مفرداتها داخل المقطوعة الموسيقية، وكل عنصر من هذه العناصر له ميزاته التأليفية الموسيقية التي ترتبط بشكل أو بآخر بالمجتمع والتقاليد، وبمدى التطور الموسيقي العلمي فيه، ومدى تطور صناعة الآلات الموسيقية ونوعيتها، وهذا كله يحتاج إلى سنوات طويلة من التثقيف والدراسة الموسيقية.

  • أحمد المنصوري
    أحمد المنصوري

جامعة ونقابة للموسيقى
أرجع عازف العود أحمد المنصوري سبب ضعف تأليف المقطوعات الموسيقية، إلى عدم وجود جامعة موسيقية تصقل مواهب المبدعين، من خلال دراسة أساسيات الموسيقى بكل أنواعها، خصوصاً التأليف الموسيقي الذي يحتاج إلى دراسة من 4 أو 5 سنوات، الأمر الذي يجعل التأليف للمقطوعات الموسيقية المحلية والتراثية محدوداً جداً، وفي الوقت نفسه لا يخرج من نطاق المحلية إلى العالمية، منوهاً بضرورة وجود نقابة للفنانين والموسيقيين، تجمع المواهب تحت مظلة واحدة وتدعمهم معنوياً وفنياً وأكاديمياً، وتحفظ لهم حقوقهم وتشركهم في محافل داخل الدولة وخارجها، لتبادل الثقافات وكسب الخبرات اللازمة التي تؤهلهم للإلمام بكافة أنواع الفنون الموسيقية.