لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تبقى البيئة الإماراتية غنية بالعديد من الأشجار المثمرة وغير المثمرة والنباتات المحلية التي شكلت مصدراً مهماً للغذاء، كما تعتبر موطناً للنباتات الطبيعية المعمرة منها والحولية التي تنتشر في مختلف أرجائها، حيث تشكل منجماً للأشجار ومخزوناً طبيعياً للعديد من النباتات الصحراوية الطبية، ومن هذه الأشجار التين والسقب والميز واللُّبان العربي، التي ترتبط بالذاكرة الإماراتية لما لها من دور فعال في استدامة البيئة الإماراتية.

تحظى هذه الأشجار بعناية كبيرة لما لها من قيمة بيئية وتراثية، حيث دشن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مبادرة بيئية نوعية تتمثل في زراعة عدد من الجبال الواقعة على طريق الشارقة خورفكان، بأشجار التين، والسقب، والميز واللُّبان العربي، التي تتناسب مع طبيعة تلك المنطقة وتسمية الجبال بأسماء الأشجار المزروعة فيها، وجاءت هذه المبادرة للحفاظ على البيئة وضمان تنوعها الحيوي وإعادة إحياء بعض المناطق وزراعتها بأنواع من الأشجار والنباتات التي تتوافق مع مكوناتها الطبيعية، وقد ساهمت هذه المبادرات في المحافظة على عدد كبير من النباتات والحيوانات المهددة بالانقراض، وإعادة توطينها في أماكنها الأصلية.

«شجرة التين»
تعتبر شجرة التين من الأشجار التي تنمو بالمناطق الجافة، وفي الإمارات تنتج أجود أصناف التين من أشجار المرتفعات الجبلية في رأس الخيمة، وهي من الأشجار المعمرة والتاريخية في الدولة، وقد تثمر الشجرة مرة واحدة سنوياً أو أكثر حسب النوع، وتنقسم الثمرة المحببة إلى الإماراتيين إلى شكلين، الأحمر المائل إلى الأسود، والأبيض أو «الأخضر»، ويتوزع محصول «التين الإماراتي» بين صنفين، وتنمو شجرة التين في الأجواء ذات الشتاء الدفئ أي أنها لا تحتاج إلى شتاء بارد مثل باقي الفواكه المتساقطة الأوراق، وفي الصيف يحتاج التين إلى رطوبة معتدلة، وتتحمل أشجار التين العطش والجفاف، وتنجح زراعته في مناطق قليلة المياه، ويعتبر هذا النوع من هذه الأشجار الأكثر حضوراً في الماضي وارتباطاً بالذاكرة الشعبية لأهل البلاد، حيث تزخر جبال الإمارات بالعديد منها.    

  • شجرة التين (أرشيفية)
    شجرة التين (أرشيفية)

«السقب»
أما «السقب» فهو نوع آخر من «التين» الجبلي أحمر اللون، وهو نوع من فصيلة التين، ويعد من الثمار والأشجار النادرة، ويتميز بحجمه الصغير، تنتجه الجبال بوفرة بعد هطول الأمطار، وتعشق أشجار «السقب» النمو بين الوديان والمرتفعات الجبلية، وتنقسم ثمرتها إلى شكلين، الأحمر المائل إلى الأسود، والأبيض أو «الأخضر»، ويتميز بحجمه الصغير، كما ينمو «السقب» ويثمر وينضج وحده، معتمداً على مياه الأمطار، وتحصد ثماره في موسم القيظ، كما ينتج في وقت آخر من الصيف. 

«اللُّبان العربي»
تحتاج شجرة اللُّبان العربي إلى ظروف مناخية وبيئية خاصة، تتميز بارتفاع معدل الرطوبة النسبية وارتفاع درجة الحرارة، ونموها يكون أفضل في التربة الحصوية أكثر من التربة الطينية خاصة سفوح الجبال وقيعان الأودية، ترتبط جودة الإنتاج من هذه الشجرة بالنطاقات الجغرافية والعوامل المناخية المميزة لكل منطقة، وتقاس جودة اللُّبان باللون النقي الأبيض المشوب بزرقة والخالي من الشوائب، ويرتفع ثمنه حسب جودته، وتقل الجودة كلما تغير اللون إلى الإحمرار أو اختلط بشوائب أخرى، وحسب ذوي الاختصاص فإن الشجرة تعطي إنتاجها بعد فترة تتراوح بين ثماني وعشر سنوات من الإنبات، وتنمو بسرعة عندما تكون بعيدة عن مناطق تساقط الأمطار الموسمية، وهي من فصيلة البخوريات كثيرة الأغصان، وتتميز بأوراقها الخضراء الداكنة. 
«الميز»
الميزالميز أو «اللوز العربي»، هي شجرة ذات جمال أخاذ تنمو في المرتفعات الجبلية، بمنطقتي وادي شعم، ووادي غليلة، في إمارة رأس الخيمة، وخاصة في «رؤوس الجبال»، إضافة إلى عدد من المرتفعات المحاذية لها، ونجدها في جبل جيس ومبرح في الإمارات، وتتميز أشجار الميز، أو اللوز العربي بأزهارها الجميلة، وهي ذات رائحة فواحة، وتتحول هذه الزهور إلى ثمار مغطاة بقشرة، وتعتبر من المكسرات، التي يتم جنيها في شهر يونيو.

  • شجرة اللوز العربي «الميز» (من المصدر)
    شجرة اللوز العربي «الميز» (من المصدر)

غذاء ودواء
الباحث الإماراتي سالم القايدي يتحدث عن هذه الأشجار وقيمتها البيئية وفوائدها الغذائية، قائلاً «تحتوي أشجار «التين والسقب واللوز العربي (الميز) واللُّبان العربي»، على قيمة جمالية وبيئية وثقافية واقتصادية وسياحية واجتماعية، كما أنها مفيدة للعلاج، واستعملت قديماً كغذاء ودواء، ولها حضور في الذاكرة الجمعية لأهل الإمارات، مؤكداً أن إعادة غرسها سيحفظ هذه الأنواع من الانقراض، وسيغذي البيئة الإماراتية ويثريها بالتنوع، موضحاً أنها تعتبر من الثروات الطبيعية والموروث الثقافي للدولة.

سياحة بيئية
قال الباحث الإماراتي سالم القايدي، إن أهمية هذه الأشجار لا ينحصر في جانب واحد، حيث تعزز السياحة البيئية المحلية، وهذا ما تم الالتفات إليه خلال جائحة «كورونا»، حيث التفت السكان إلى مفردات الطبيعة المحلية، واكتشفوا جوانب رائعة منها، منها أنواع عديدة من الأشجار ووديان وكهوف، ومناظر خلابة، مؤكداً أنه وبحكم الظروف وشح المياه تتعرض بعض الأشجار للانقراض، وأصبحت نادرة، فيما كانت في السابق لصيقة بالذاكرة الشعبية، لا سيما أنها كانت تشكل الغذاء والدواء سواء للإنسان أو الحيوان، واليوم تمت إعادتها لموطنها الأصلي من خلال هذه المبادرة وسيتم إكثارها، مما سيعود بالفائدة على الحياة بشكل عام.

مقاومة للتصحر 
أشار سالم القايدي الذي يمتلك مزارع لإكثار شجرة القاف والشوع والعديد من النباتات الصحراوية، أن شجرة الميز التي تنتشر في رؤوس الجبال شمالي رأس الخيمة، والأجزاء المحاذية لها، هي أشجار تتأقلم مع الجفاف ودرجات الحرارة المعتدلة، والطبيعة الصخرية، وأوضح أنها تعتبر عند أهل المنطقة كنوع من المكسرات، كما أنها تعتبر مادة خام لصنع أجود أنواع العصي، التي تعتبر أداة ومظهراً من المظاهر التراثية عند أهل الجبل، كما يُستخرج منها الفحم أيضاً.
وعن أهمية هذه الأشجار المرتبطة بالبيئة المحلية، أكد أن لها العديد من المزايا، فهي مقاومة للتصحر وللحرارة، وتناسب طبيعة الإمارات، كما تشكل مرتعاً مهماً للنحل الذي لا يخفى دوره الكبير في التوازن البيئي، كما تساعد على تكاثر الطيور من خلال التعشيش فيها، ناهيك عن دورها الحيوي بالنسبة للإنسان، حيث يستظل بظلها ويتناول ثمارها، إلى جانب ما تشكله من جمال في الطبيعة.