لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تجلس عفراء علي المرزوقي بكامل أناقتها في رواقها، تحيطها مجموعة من الأقمشة التراثية القديمة، التي تشكل جزءاً من الذاكرة الشعبية لأهل المنطقة، وتعكس أناقة المرأة الإماراتية، حملت أسماء ودلالات، جعلتها أكثر من ثوب أو قماش أو زي.. من أبرزها «بو قليم و«بوطيرة» و«بو بريج» و«المزراي»، و«دمعة فريد»، و«صفوة» بوكازوة، و«صالحني».
أسماء كثيرة تعكس ما كانت تتمتع به المرأة الإماراتية من ذوق وأناقة منذ القدم، ليست عفراء وحدها التي تعرض هذه الأنواع من الأقمشة التراثية القديمة، بسوق الوثبة في مهرجان الشيخ زايد، إنما الكثير من السيدات اللواتي اخترن تعريف هذا الجيل بما كان يزخر به المجتمع الإماراتي، ليتضح أن هذه الموضة ليست جديدة على السيدات الإماراتيات، فهي جزء من تراثهن الذي توارثنه عن الأجداد. 

استكشاف
مازال مهرجان الشيخ زايد يبوح بأسراره يومياً، فاسحاً المجال أمام جمهوره العريض لاستكشاف الموروث وفن العيش الإماراتي، زخم من المعروضات والفنون، التي تعكس إبداع المرأة الإماراتية وطريقة عيشها، فعندما يدخل الزائر إلى سوق الوثبة، يجد تنوعاً ودفقاً من المفردات التراثية التي تعكس زخم المنتوج الإماراتي الذي أبدعته قديماً يد المرأة الإماراتية، وما زالت تضفي عليه الكثير من الجمال والرونق، حيث يمثل المهرجان في منطقة الوثبة بأبوظبي، والتي تستمر فعالياتها حتى 20 فبراير 2021، معرضاً مفتوحاً للتراث الإنساني وتاريخ وثقافات الشعوب من مختلف أنحاء العالم، حيث يفتح المجال المشاركين في التعريف بتراث بعادات وتقاليد بلدانهم، في إطار من التلاحم والتكامل، وهو ما يعكس طبيعة مجتمع دولة الإمارات أرض التسامح والتعايش. 

  • عفراء المرزوقي تعرض في رواقها مزيجاً من الأقمشة التراثية (تصوير: عادل النعيمي)
    عفراء المرزوقي تعرض في رواقها مزيجاً من الأقمشة التراثية (تصوير: عادل النعيمي)

عراقة
عفراء المرزوقي وزميلاتها عبر مشاركتهن في مهرجان الشيخ زايد تعملن على تعريف كثير من هذا الجيل الجديد، الذين يجهلون تلك المعرفة النوعية عن تراثهم، إلى جانب إحياء التراث والعادات والتقاليد، بانوراما اجتماعية لمشاهدات الأقمشة الفاخرة التي كانت ترتديها النساء قديما، يلهمنا لدراسة علاقة المرأة الإماراتية بالموضة، وما لعبته الطرق التجارية، كالهند على سبيل المثال في إيصال المعرفة بهذه الأقمشة، وأوجه استخدامها من جهة أخرى، كالعادات والتقاليد، وطريقة تصميمها وخياطتها.
وقالت عفراء المرزوقي، والتي تعرض أنواعاً كثيرة من الأقمشة بألوانها وأشكالها المختلفة إنها تعمل في عرض الأقمشة التراثية منذ ما يفوق 45 سنة، مؤكدة أن ذلك يدخل في إطار إحياء التراث وتعريف الزوار من الأجانب بالموروث الثقافي الإماراتي، في جانبه الذي ارتبط بالمرأة، لافتة إلى أن هذه الأقمشة باتت تشهد إقبالاً كبيراً، من طرف الشابات، ويزيد ذلك خلال الأعياد والمناسبات والأعراس واليوم الوطني، موضحة أن جميع الأقمشة تستوردها من الهند، مشيرة أنها تتوفر أيضا على الشيلة «المنقدة» و«العباية السويعية» وغيرها كثير.. كذلك «التور» وهو نسيج خفيف وشفاف، له ثقوب منه «التور بودقة»، و«دمعة فريد» وهو نوع من التور مثقوب بثقوب صغيرة بحجم الدمعة ويأتي على شكل الدمعة أيضاً، وهو عبارة عن قماش من الحرير فيه رسومات مربعة، كان زي المرأة يتكون من عدة قطع منها الشيلة، الكندورة، الثوب، السروال، العباءة، البرقع، أما العباءة أو السويعية فكانت قماشاً بلون أسود، وهي واسعة ومحتشمة، والسويعية... البادلة.. 

  • تنوّع في المقتنيات التراثية المعروضة في المهرجان
    تنوّع في المقتنيات التراثية المعروضة في المهرجان

ذوق رفيع
ويزهو رواق زليخة محمد الحمادي، والتي تعمل في مجال التراثيات بالعديد من الأقمشة التراثية القديمة التي كانت ترديها المرأة في جميع المناسبات السعيدة، وتحتل مكانة بارزة لديها، والتي تتكون في أغلبها من الحرير والقطن الخالص، حيث كانت تصمم بطريقة إبداعية، وتضفي عليها المرأة الإماراتية ذوقها مواكبة لموضة ذلك الوقت، حيث كانت أغلب الملابس يتم تزيينها بالتلي، إذ أشارت الحمادي إلى أن الملابس التراثية من كندورة وثوب كانت هي الزي السائد لديهن، وكان زي المناسبات يتكون من قطعتين هما الثوب والكندورة، مطرزان بالخيوط الفضية والذهبية والحريرية والقطنية وبألوان مختلفة ومتناسقة، وكان هناك «التلي»، وهو نسيج شريطي تصنعه النساء على الكاجوجة بألوان مختلفة، ويزين بها الثوب والكندورة، وهناك العباءة «السويعية» تلبس على الرأس، و«الشيلة المنقدة»، موضحة أن المرأة كانت في الغالب تصنع زينتها بنفسها، كما أنه خلال المناسبات والأعراس تعمل نساء «الفريج» على التعاون لخياطة ملابس العروس، وكذلك الشأن في الأعياد والمناسبات، ورغم قلة الإمكانيات ذلك الوقت، إلا أن المرأة حافظت على أناقتها، وخاطت أجمل الأقمشة لها ولبناتها.
 كما أوضحت الحمادي أنها تعرض العديد من الأقمشة القديمة التي تحرص على جلبها من الهند وهي «بو طيرة» «ميزع» مخروز «بريسم» «بونيرة».. ولإحياء التراث والتعريف به للجمهور يشتمل معرضها أيضا على المخدات التراثية القديمة، حيث تعمل على تعريف الزوار بمفردات التراث القديمة.

  • أزياء الماضي تعود من نافذة المهرجان
    أزياء الماضي تعود من نافذة المهرجان

حضور قوي 
بجولة في سوق الوثبة يسجل حضور الأقمشة القديمة بقوة، حيث أكدت أغلبية المشاركات في المعرض عودة هذه الأقمشة، والتي أصبحت أيضا تدخل في الموضة العصرية، وباتت تشهد إقبالاً من طرف هذا الجيل، خصوصاً في الأعياد والمناسبات، كما تقبل عليها المصممات لدمجها في تصاميمهن، وأوضحت في هذا الخصوص عائشة الكعبي إحدى المشاركات في المهرجان أن هذه الأقمشة ما زالت مطلوبة من العروس العصرية، لاسيما أن هذا الجيل من البنات يرغبن في التميز مما يجعلهن يبدعن في تصميم واختيار الأقمشة لاسيما ليلة الحناء.

جودة عالية
أكدت زليخة محمد الحمادي أن الأقمشة التراثية تستقطب جميع الأذواق، لما لها من قيمة تراثية تجعل الجيل الحالي راغباً في اقتنائها وارتدائها، بما يتماشى مع العودة لموضة الستينيات، كما أن الأقمشة ذات جودة عالية ومتوافرة بألوان جذابة، كما أنها تتوفر بنوعيات أقمشة متعددة، القطن والحرير والتي يصلح ارتداؤها في مناسبات مختلفة، موضحة أنه في السابق كانت الأقمشة أغلبها يتزين بالتلي، أما اليوم فيتم تزيينه بمختلف التطريزات والفصوص والتلي وغيره من الشغل اليدوي والماكينة، موضحة أن الكثير من حفلات الاستقبال والتجمعات العائلية، لا سيما خلال رمضان تشهد حضوراً كبيراً لهذه الأقمشة بتصاميم عصرية جميلة.

  • البادلة تفوح برائحة الموروث
    البادلة تفوح برائحة الموروث

زخارف وأشكال
عن سبب إطلاق بعض المسميات على الأقمشة أجمعت المشاركات أن أغلبها أسماء تلقائية، تتداولها النساء باللهجة المحلية، جاءت لتصف القماش مثلا أو نتيجة موقف ما، مثلا قماش «دمعة فريد» صادف انتشار هذا القماش مشاهدة الأفلام الرومانسية لفريد الأطرش، أو مستوحاة من أوصاف الزخارف والأشكال، أو الموضة السائدة آنذاك، وهي مسميات تتداولها النساء باللهجة المحلية، وهذا هو أشهرها: بوبريج: تشبه الإبريق، بوتيله: رسمته شبه التيلة أي كرة بلورية صغيرة، بو طاووس: رسمته تشبه الطاووس، بو طيرة: زخارفه على شكل طيور، بوقليم: وهو القماش المقلم بشكل طولي، صايه: يكون دائما بلون واحد، صفوه: قماش شفاف ناعم كالحرير، ميزع: يتكون من عدة أقمشة وبألوان مختلفة.