لكبيرة التونسي (أبوظبي)

حين يتحدث النوخذة يوسف العلي عن بيته القديم، تشعر أنه يتنسم رائحة التاريخ وعبق الماضي، يستدعي عذوبة الحياة البسيطة وذكرياتها السعيدة، فسحة من الزمن منحها العلي لنفسه فعاد به الزمان إلى «فريج المحاربة» في أبوظبي، حيث قضى طفولة يركض في السكيك ويلعب بمعية أقرانه ورياح البحر تخترق أعماقهم، حتى باتت تسكن ذاكرته ولا تبرح مفارقتها، صور جميلة رسمها بكلامه ونقلها عبر متحفه التراثي الذي يؤرخ منه الأحداث ويحفظ من خلاله المهن التراثية البحرية وينقلها كإرث للأجيال القادمة.

دور اجتماعي 
ما زالت ذاكرته تنبض بالأحداث التي مرت به، حين كان بين أحضان فريج «المحاربة» في أبوظبي، الذي كان يتكون من 25 إلى 30 أسرة تنحدر من عائلة واحدة، واتخذ اسمه من أسماء قاطنيه، كان أهله من كبار النواخذة حين كان الاقتصاد الإماراتي يعتمد على صيد الأسماك وتجارة اللؤلؤ، استند الفريج إلى البحر الذي شكل مصدر رزق لسكانه. بفخر واعتزاز، قال العلي: إن النوخذة أو كبير الفريج لعب دوراً اجتماعياً كبيراً، كان بمثابة مشرف المنطقة وهو المسؤول الأول عن الأمن والنظام وتسوية الخلافات بين الجيران، موضحاً أن الفريج كان يزخر بحياة اقتصادية واجتماعية واقتصادية مازالت مظاهرها القديمة راسخة في ذاكرته، وأضاف: «عشنا بالقرب من البحر الذي شكل لنا مصدر زرق، بعد أن قدمت من جزيرة دلما إلى أبوظبي لنستقر في فريج المحاربة وعمري لا يتجاوز 9 سنوات، بالقرب من قصر الحصن، كان البحر يمتد لتغوص فيه أرجلنا، كانت بيوته عبارة عن عرشان، أما البيوت التي تتكون من الحصى فتقتصر على علية القوم من النواخذة والتجار، بينما أغلب السكان يقطنون في بيوت العرشان.

قيم وسنع 
رغم أن المناسبات الاجتماعية والدينية تغمر الأطفال بالفرح والسعادة، فإنها أيضاً تمثل فرصة لتعليم القيم والتراحم، ومن ذكريات العلي في هذه المناسبة الدينية الكريمة أن أهل الفرجان كانوا يتنافسون على رؤية هلال شهر رمضان، حيث القبائل تتسابق على تحري هذا الشهر لما له من مكانة عظيمة لديهم، حيث كان من يعلن رؤية الهلال تكون له مكانة في المجتمع، ومن يرى الهلال الأول يقوم بإبلاغ كبير القوم، ثم يتوزع الأطفال لإبلاغ باقي القبائل، موضحاً أن الأطفال كانوا يشعرون بسعادة وفخر كبيرين حين كانوا يقومون بهذه المهمة.

ذاكرة الطفولة 
من الأشياء التي يذكرها العلي في طفولته خلال رمضان، وأثناء تبادل الأطباق، تلك العادة المترسخة في المجتمع الإماراتي وما لها من دلالات جميلة، يقوم الأطفال وبدافع الفضول بكشف غطاء الصحون التي كانت تنقلب في بعض الأحيان ، مشيراً إلى أن هذا الشهر الكريم يشكل أيضاً فرصة للصلاة والتعلم واللهو واللعب أيضاً، وأن أهل الفريج كانوا يختارون واحداً من الذين يتميزون بالفصاحة والصوت الجهور ليقوم بمهمة المسحراتي، الذي يتطوع لإيقاظ الصائمين لتناول السحور، بينما كان الأطفال يتنافسون على مرافقته أحياناً للقيام لمشاركته في مهمته.

  • متحف النوخذة  يوسف العلي يحفظ فيه الإرث البحري (تصوير: عادل النعيمي)
    متحف النوخذة يوسف العلي يحفظ فيه الإرث البحري (تصوير: عادل النعيمي)

رحلة الغوص 
أشار العلي إلى أن فريج المحاربة وأثناء رحلة الغوص، كان يقتصر على النساء وكبار السن والأطفال، وعند انتهاء رحلة الغوص فإن الرجال يقضون معظم أوقاتهم في صيانة السفن وتجهيز أدوات الغوص والصيد للموسم القادم، وعن المشاكل التي قد تحدث بين البحارة، قال: إنه يتم إصلاحها من طرف النوخذة نفسه، أما إذا استعصى الحل فيتوجهون إلى القاضي، لحل المشكلة.وأكد العلي أن فريج المحاربة كان لا يرد الضيف، يستقبله بحفاوة بالغة، حيث لم يكن يقطنه الإخوان وأبناء العمومة فحسب، بل الكثير ممن جاؤوه من مختلف الإمارات وخصوصاً من جزيرة دلما، ما زاد العوائل ارتباطاً بفعل زواج الأبناء.

الزواج 
كانت حفلات الزواج تقوم بسواعد القبيلة التي تتعاون على جلب المؤونة من قمح وشعير وماء وذبيحة وخياطة الملابس، لا سيما أن الزواج كان يتم بين الأقارب، بينما كانت النساء تلد أبناءها على يد «الداية» القابلة في البيت، وكانت الولادة تتم عند أم العروسة، وعندما يأتي المولود يتباشرون ويذبحون ويتصدقون، وفي اليوم السابع يقيمون العقيقة، وتتم حلاقة شعر المولود ويزنونه وزن الذهب في ميزان «الطواش» ويوزعون قيمته صدقة.

  • يوسف العلي
    يوسف العلي