هناء الحمادي (أبوظبي)

التفاني والإخلاص اللذان عملت بهما الكوادر الطبية في الدولة جعلا منتسبيها يستحقون بكل جدارة الاسم الذي أطلقته عليهم القيادة الرشيدة، وهو «خط الدفاع الأول»، إذ كانوا ولا يزالون يشكلون حائط الصد لحماية المجتمع من هذه الجائحة، وهو ما يجعلهم أبطال المرحلة الذين نجحوا بالفعل في إثبات كفاءتهم العالية في التعامل مع التحديات التي تمخضت عنها تلك الجائحة، وآثروا سلامة الآخرين على سلامة أنفسهم وراحتها.  
الدكتور عبدالله الرحومي، استشاري طب إعادة التأهيل والطب الرياضي بمستشفى هيلث بوينت في أبوظبي، أحد الكوادر الطبية التي عمل ضمن جائحة كوفيد-19، من أجل خدمة المرضى ولرد الجميل للوطن. 
طبيعة عمل الرحومي ترتبط بإعادة التأهيل، ويتركز تخصصه على علاج الحالات غير المستقرة في العناية المركزة، والحوادث والإصابات، والأمراض العصبية من جلطات وإصابات العمود الفقري وغيرها من الحالات، التي تحتاج علاجاً مركزاً للتعافي أو إيجاد حلول تهدف إلى استعادة القدرة الوظيفية، رغم صعوبة الأوضاع، التي فرضتها جائحة كورونا. 

حالات حرجة
مع بداية الجائحة، التي أثرت على بالجميع، تغير روتين عمل الرحومي خلال هذه الفترة خاصة مع شهر رمضان المبارك، حيث أصبحت وتيرة العمل أكثر ضغطاً من ناحية الاهتمام بعدد الحالات الحرجة التي تتطلب العناية الدقيقة والكاملة، خاصة المرضى، الذين يحتاجون إلى قدر كبير من الرعاية، والذي تتطلب بعض حالاتهم تدخلات علاجية سواء من ناحية العلاج الوظيفي والتأهيلي في العناية المركزة.
ويضيف: «دوري الوظيفي يكمن في التركيز على تقييم القدرات الوظيفية للمرضى والمشاكل المرتبطة بفيروس كورونا المستجد، وتدهورات المرضى ما بعد العناية المركزة والضعف المصاحب لها، وكل ذلك يحتاج إلى مجهود أكبر وعدد ساعات أكثر من أجل راحة المرضى في المقام الأول.

تقليل الزيارات
وبعد ساعات طوال من الجهد والوقت، يعود الرحومي إلى المنزل ولكن ليس مثل السابق، حيث كان الوضع صعباً، إذ يتطلب منه أن يكون أكثر حرصاً على أفراد أسرته، نظراً لتعامله مع العديد من المرضى المصابين بـ«كوفيد -19»، لذا يحرص على استبدال الملابس والاستحمام والتعقيم، الأمر يودي إلى تجنب الزيارات العائلية بنسبة كبيرة خوفاً عليهم من انتقال العدوى، خاصة «كبار السن»، الذين تكون مناعتهم ضعيفة، لذلك لم يقم بزيارة الأهل أكثر منذ فترة طويلة، ولم يعش معهم طقوس شهر رمضان الكريم، ورغم مرارة الشوق والحنين للمة العائلية وتناول وجبة الإفطارمعهم، إلا أنه حرصاً على سلامتهم، امتنع عن تلك التجمعات. 
ولفت إلى كانت هناك زيارات قليلة، مصحوبة دائماً بفحص PCR و DPI، ولم تطأ قدمه أرض المنزل، فقد كانت للسلام على الأهل من داخل السيارة، وكانت اللقاءات الأسرية على بعد أمتار، وهو يرتدي الكمامات، موضحاً أنها كانت أياماً عصبية مرر بها في شهر رمضان الماضي والحالي، فقد أثر شعور الفقد على نفسيته، وهو يشعربالحنين لاجتماع العائلة على مائدة الطعام واصطحاب والده إلى المسجد لأداء صلاة المغرب، ومن ثم العودة لإكمال الإفطار، ومن ثم أداء صلاة التروايح، ورغم  ألمه، لكنه تكيف مع طبيعة عمله بسبب جائحة كورونا، التي فرضت عليه رؤية الأهل من بعيد أو التحدث معهم ومع المقربين عبر برنامج «زووم» وتناول الوجبات بمفرده.

حالات مؤثرة
خلال فترة الجائحة، مرت على الرحومي العديد من حالات المرضى المصابين والمخالطين يقول عنها: قمت بمعالجة عدة حالات مرتبطة بفيروس كورونا المستجد ومن الحالات، التي ساهمت في علاجها ولا تزال في الذاكرة لرجل في عمر 65 عاماً وهو أب ولديه أبناء وقع ضحية عدم الحرص من قبل أفراد أسرته، أو الالتزام بالتباعد الجسدي والإجراءات الاحترازية، لينتهي به المطاف في العناية الفائقة لمدة أكثر من شهر، وخلال فترة العلاج فقد أسنانه الضعيفة بسبب إدخال أنبوب التنفس في الحلق، وكان نحيل الجسد غير قادر على المشي أو الاهتمام بنفسه، أو تناول الأكل والشرب، وتوجب علي القيام بمتابعته ليتعافى كلياً، ويسترجع قوته ويستطيع المشي مجدداً، ورغم أن التحسن كان بطيئاً، لكن استمر العلاج والتحسن التدريجي، ليرى الطاقم المعالج الرجل ذا الأسنان المفقودة أصبح قادراً على الوقوف والمشي مرة أخرى. 

الموجة الأولى
قال الدكتور عبد الله الرحومي: تابعت  حالة مرضية لم تبارح مخيلتي حتى الآن، لأم في مقتبل الخمسين من العمر، أصيبت بجلطة المخ، خلال الموجة الأولى، وعند دخولها للمستشفى، لوحظ زيارة عدد كبير من الأهل لها، وحاول جميع الموظفين تنبيههم وتوعيتهم بأهمية تقليل الزيارات، ولكن للأسف لم يتم الالتزام من قبلهم، حيث أصيبت المريضة بالفيروس، وتدهورت حالتها أكثر من مما كانت عليه، ومن ثم انتقلت إلى جوار ربها الكريم، إثر صراع مع جلطة في المخ وفيروس كورونا المستجد، بسبب عدم الالتزام بالتباعد الجسدي والإجراءات الاحترازية، التي ساهمت من انتقال العدوى لها، لأنها كانت أكثر عرضة للإصابة بكورونا بسبب نقص المناعة. 

فخور بعملي
ما زال عطاء الدكتور عبدالله الرحومي متواصلاً للعام الثاني على التوالي في شهر رمضان الكريم، فعمله الوظيفي في مجال خط الدفاع الأول، يحتم عليه التواجد متى احتاج العمل له حتى لو في الساعات الأخيرة من الليل، معبراً عن فخره في العمل ضمن الخط الأول لمواجهة «كورونا المستجد»، ولفت إلى أهمية تضافر الجهود لمواجهة الوباء العالمي ومحاصرة انتشار الفيروس، واتخاذ سبل الوقاية الكفيلة لحماية صحة وسلامة أفراد المجتمع خلال شهر رمضان الكريم، مع ضرورة الالتزام بكافة الإجراءات التي تحافظ على سلامة الجميع.