هناء الحمادي (أبوظبي)

ما تزال الفرجان القديمة تحمل أجمل الذكريات للآباء الذين يشدّهم الحنين والشوق إلى المنزل الأول والفريج، حيث ولدوا وتربوا وعاشوا سنوات لما تزال تسكن في ذاكرتهم، وقد جرت أحداث في زمن جميل كان مغلفاً بالهدوء والبساطة، حيث يشعرون بالحنين للفريج  الذي امتاز بالأصالة والحياة البسيطة والتقارب والتلاحم بين جميع أبناء الحي الواحد.  
بالاقتراب من الباحث عبيد بن صندل (75 عاماً)، مستشار في دائرة التراث في الشارقة  الذي ترعرع وولد في فريج «الشرق» بالشارقة يسترجع بذكرياته إلى الأزقة الصغيرة، والمتعرجة والمساحات المحصورة بين وحدتها التي كانت متنفساً لأهالي الفريج أو الحي، وكل من يجلس مع السبعيني عبيد تمتد أحاديثه وتكتشف معه أبعاداً جديدة لشخصية هذا العاشق للتراث والمأثورات الشعبية، يثري من مخزون لا ينضب، لذكريات الماضي الجميل بكل ما له وما عليه.

  • جولة بين أرجاء المكان
    جولة بين أرجاء المكان

يقول السبعيني عبيد بن صندل «الفريج جزء من كيان وعادات وتقاليد وأعراف مجتمع عشنا فيه، وفي الفريج هناك تفاصيل  جميلة فيها نوع من الوفاء للماضي، إذ تختزن الذاكرة بتفاصيل كثيرة ضرورية ومهمة لربط الأجيال ببعضها بعضاً».

جيرة طيبة 
ويضيف: أهم ما يميّز الفريج هو الحب والتراحم وعلاقات التعاون والجيرة الطيبة التي كانت تجمع بين سكانه، فقد كانت الحياة في السابق أكثر بساطة، كما كانت تخلو من كثير من مظاهر الترف والرفاهية، فكان أبناء الفريج يتعاونون على مصاعب الحياة وقسوتها، كما كان كل سكان الفريج يعرفون بعضهم بعضاً، وتربطهم علاقات قوية.
وعن فريج الشرق وعما يميزه يذكر: لا  تقتصر أهمية «الفرجان» على كونها أماكن للسكن، ولكنها تعبّر عن ثقافة اجتماعية كانت سائدة في (الفرجان)، مثل الترابط والتواصل بين الناس قديماً، وفي الأعياد والمناسبات يكتسب الفريج  مذاقاً خاصاً قديماً، مثل عيدي الفطر والأضحى، وكذلك طوال شهر رمضان، إذ يزداد التقارب بين سكان «الفريج» في هذه المناسبات، ويتبادلون الأكلات الشعبية وأطباق الحلوى قبل أذان المغرب في رمضان، وفي الأعياد يحرص كل منهم على تهنئة الآخرين، وتمتد جلسات السمر التي تجمع الكبار، بينما يلعب الصغار الألعاب الشعبية البسيطة. أما في المناسبات الخاصة، مثل النجاح أو الأعراس والميلاد وحتى الوفاة، فكان الجميع يلتف حول صاحب المناسبة.

مكانة اجتماعية 
وأضاف: كان غياب أحد رجال الفريج  يجعل بقية رجال الفريج  يقومون برعاية أهله حتى عودته. ودائماً ما كان الفريج يضم بعضاً من سكانه من ذوي المكانة الاجتماعية المميزة، أو الأكبر سناً والأكثر حكمة، وكان هؤلاء الأشخاص تسند إليهم مهمة الفصل في أي نزاع أو خلاف قد يحدث ، بما يحفظ روح المودة والمحبة بين الجميع.

مواقف وذكريات 
ومن الذكريات الجميلة يذكرعبيد بن صندل أن فريج الشرق يضم الكثير من الرجال وفي اليوم يمكن مشاهدتهم أكثر من مرة ، حيث الجميع يقوم بالعمل والبحث عن رزقه أو الذهاب إلى السوق القديم مشيا على الأقدام ، وفي هذه أحدى المرات كنت ذاهباً إلى السوق، وفي الطريق التقيت بأحد الأصدقاء فطلبت منه مرافقتي إلى السوق، وفي السوق بين الباعة والمشترين والازدحام، ألتفت يميناً ويساراً ولم أجد صديقي، وبحثت عنه حتى الظهر ولكن لم أجده إلا في اليوم الثاني فكلانا نبحث عن بعض ولكن الحظ لم يحالفنا في كل المواقف. 

  • عبيد بن صندل يستعيد ذاكرة الزمن (تصوير: أفضل شام)
    عبيد بن صندل يستعيد ذاكرة الزمن (تصوير: أفضل شام)

مجتمع صغير
يذكر عبيد بن صندل أن كلمة «فرجان» مفردها «فريج» أي فريق، ويسمى أيضاً حارة وهي الحي السكني. وترجع تسمية «الفريج» إلى كون المجتمع الصغير فيه يُشكل فريقاً واحداً مترابطاً، وفي بعض الأحيان كان يُعرف «الفريج» باسم القبيلة التي تقطنه أو العائلة، وكان اسمه أحياناً يستمد من العمل السائد لدى قاطنيه، وقد ينسب إلى صفة المكان الذي يقع فيه.