هناء الحمادي (أبوظبي)

منطقة الراس ذات الطابع التاريخي والتراثي العريق على خور دبي من جهة منطقة ديرة، تضم «فريج الراس» الذي ما زالت فيه البيوت العربية القديمة من الطين، وما تزال تتحدى زمن العولمة والحديد المسلح والأسمنت والفولاذ.. ومن يمر بهذا المكان يجد الأبواب والنوافذ الخشبية والبيوت، وكأن التاريخ يناديك ليريك مدينة آثار حية لم تلمسها المدنية الحديثة بمعناها الواسع، ولم تستطع إلا تغيير جزء بسيط منها لا يذكر في عمر التاريخ.

الديرة القديمة
راشد عبيد الفلاسي الذي يبلغ من (84 عاماً) الذي كان يعمل سابقاً في خفر السواحل في دبي من مواليد منطقة الراس، عاش وترعرع في فريج الراس، التي تعتبر جزءاً من منطقة الديرة القديمة في دبي، وتتميّز المنطقة بأجواء تراثية بفضل الأسواق العريقة، مثل سوق الذهب حيث تباع المجوهرات المزخرفة، وسوق التوابل الغني بالروائح الزكية. وتضم الشوارع الضيقة في المنطقة بيوت ضيافة على الطراز الإماراتي، ومتاحف مرمّمة تشمل متحف الشاعر العقيلي. وتنقل قوارب خشبية صغيرة الركاب عبر خور دبي إلى بر دبي، حيث يقع حيّ الفهيدي التراثي. 
تفاصيل يوضح الفلاسي الذي يسترجع ذكرياته في هذا المكان ذاكراً سبب تسمية الحي أو الفريج «الراس»، لأنه يقع في أول ديرة، وفيه أول مكتبة عامة في دبي عام 1960، وما تزال قائمة حتى اليوم، ويضيف: كان هذا الفريج ولم يزل حتى اللحظة يموج بالحياة والتجارة والبشر والبضائع والسفن، هذا الفريج الذي يطلّ على خور دبي، سكنته عائلات كبيرة، وماجت الحياة بكل تجلياتها في رحاب بيوت كان لها ولساكنيها شأن وأي شأن.

وأضاف: أيام الماضي بالنسبة لي ذكرى جميلة ومميزة يستحيل أن تمحى من ذاكرتي، حيث تضم الكثير من اللحظات الحلوة نستعيد فيها صوراً خاصة عفوية جميلة قد تكون باهته الألوان، وقد تكون ممزقة وقد تكون مهملة إن كانت صوراً حفظت في ألبوم صور أو صندوق خاص للذكريات والقصاصات، إلا أنها محفوظة بالذاكرة وكأنها لقطة سجلتها الكاميرا للتو لصدقها. ويقول: أحب هذه المنطقة وأتذكر تفاصيل البيوت والفريج والطرق الضيقة (السكيك)، ومن الأشياء والصور الجميلة التي أتذكرها في الفريج الجيران والصحبة والصداقة والرفقة والشوارع الضيقة وبقالات صغيرة وأتذكر بيوتاً دخلناها وأبوابها مشرعة دائماً تنتظر ضيفاً يقدم وجاراً يدخل، وأذكر تفاصيل بيتنا هذا البيت الذي اتسع لكل أفراد الأسرة من عدد غرفه ومدى مساحة (الحوش) الساحة الخارجية أو الفناء الذي يضم الغرف والبيت.

  • راشد الفلاسي يسترجع ذكريات 84 عاماً (تصوير: أفضل شام)
    راشد الفلاسي يسترجع ذكريات 84 عاماً (تصوير: أفضل شام)

ذكريات 
وبالرجوع إلى الفريج لفت الفلاسي إلى تفاصيل جميلة في الفريج في رمضان، حيث طُلب منه أن يؤدن في مسجد الفريج إيذاناً بكسر الصيام وتناول الفطور على المائدة البسيطة التي يوجد بها أطباق من الطعام كالرز والسمك واللقيمات، وفرح بذلك لأنه لم يكن الاعتماد على المسجد عندما يحين موعد الإفطار، بل كان أيضاً «المدفع » الذي يعلن بطلقاته بموعد الإفطار، موضحاً أن الحياة أيام الماضي كانت جميلة الجار للجار، حيث كان عيال الفريج أسرة واحدة، يفرحون في المناسبات السعيدة، وكأنهم يد واحدة. ويقول: «رغم صغر سني إلا أنه قد طلب مني خرف الرطب من النخل، ورغم حرارة الجو ونحن صيام، إلا أن ذلك لم يمنع من القيام بما طلب مني.