شاكر نوري (دبي)

عمل الرحالة البريطاني برترام توماس 1893-1950، في العراق بوظائف حكومية من 1916-1918 وفي الأردن من 1922-1924، وشغل بعدها منصباً مالياً في العاصمة العُمانية مسقط.  قام بعدة رحلات في الصحراء، أهمها عبوره للربع الخالي سنة 1930-1931، وكانت نقطة انطلاقه من ظفار بجنوب سلطنة عمان، مروراً بصحارى الربع الخالي. 
وكتب عنها في كتابه «Arabia Felix» الذي نشر سنة 1932، وقبله نشر كتابه «العرب» 1930. وهو من الرحالة المحترفين، وأول مَنْ عبر الربع الخالي. وقدم وصفاً لهذه المنطقة وخريطة دقيقة استعان بها من جاء بعده في سبر أغوار شبه الجزيرة العربية.  ولكي ينجز مهمته، انخرط في حياة البدو وحصل على ثقة رجال القبائل وأخذ يتصرف تماماً كأبناء المنطقة، فأطلق لحيته ولبس لباسهم وأكل وشرب كما يأكلون ويشربون وأقلع عن التدخين، وأنجز رحلتين مهمتين من رحلات استكشاف الجزيرة العربية.

  • برترام توماس  في الزي العربي
    برترام توماس في الزي العربي

يتميز برترام توماس بأنه يسجل مشاهداته بأسلوب أدبي بليغ ينسجه في سرد قصصي شعبي، وكان هذا النوع هو المتداول بين البدو وقد احتفى بسيرة بني هلال، كما حاول أن يقارن بين سيرة بني هلال وحياة البدو في زمانه في الثلاثينيات عندما كان في مسقط، وقد أثر فيه كثيراً هذا التراث فأولاه اهتمامه.
نشر دراساته عن القبائل التي قابلها في رحلته الأولى، وأظهر بلاغة في وصف التلال الرملية التي تلمع مع أشعة الشمس. ووصف المناظر الخلابة.
زار الرحالة البريطاني عُمان في شهر رمضان الذي تزامنَ مع شهر يناير 1931، واشتهرت كتاباته بأسلوبه الشاعري في وصف انتظار الأهالي ظهور الهلال مع ألوان السماء المتدرجة، ولاحظ أن إصرار العُمانيين على الصيام كان كبيراً، حتى لو أباح الشرع لهم عدم الصيام أثناء السفر والترحال كما هو معروف، إلا أن ما كان يحركُ دواخلهم فهو الإيمان والصبر وقوة التحمل.

  • صورة يوثق من خلالها برترام حياة الصحراء
    صورة يوثق من خلالها برترام حياة الصحراء

جمال الطبيعة
كان الرحالة البريطاني يستمتع بجمال الطبيعة وهدوء الناس وهو من طباعهم الأصيلة، كان ذلك يخفف عنه الأعباء والمشاق خلال رحلاته. وكان ينام أسفل النجوم، ويتناول طعامه البسيط.
كان برترام حريصاً على تدوين انطباعاته في مفكرته اليومية عن مظاهر شهر الصيام في عُمان مثل صوت إطلاق مدفع الإفطار، للإعلان عن بدء شهر الصيام لدى المسلمين طيلة شهر كامل. 
ويصف الولائم التي تتكون من الأطباق الشهية حيث يتناولها الأهالي، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء. ولاحظ أنها تختلف عن الوجبات التي يقيمونها في الأيام العادية. أما المقاهي فتزدهر بالقناديل والأضواء، ويتزاور الناس، ويسهرون حتى ساعة متأخرة من الليل وتحديداً حتى السحور. وكان يصل إلى أسماعه صوت المسحراتي الذي يوقظ الناس لتناول السحور ومن ثم بدء يوم صيام جديد. وكان يشاركهم هذه الفرحة والبهجة.

  • صورة التقطها برترام لسلطنة عمان
    صورة التقطها برترام لسلطنة عمان

طقوس
من المظاهر التي سجلها الرحالة البريطاني توماس أن أعمال الخير تتكاثر في هذا الشهر الفضيل من خلال توزيع الطعام على الفقراء، طلباً للأجر والثواب. وكذلك إعطاء الفقراء الهدايا والأطعمة في يوم العيد.
لاحظ أن المجتمع العماني متمسك بالعادات والتقاليد التي تمارس في الشهر الفضيل، وأنها تختلف من ولاية لأخرى، ويمارس العمانيون طقوسهم ذاتها في البيت وخارجه. 
وقال: يحرص العُمانيون على صلة الأرحام وتبادل التهاني بمقدم الشهر واصطحاب الأطفال إلى المساجد لأداء صلاة التراويح. كما يحرص الأهالي على حضور حلقات الذّكر التي تقام في المساجد، وخاصة بعد صلاتي الفجر والعصر، وكذلك قراءة القرآن الكريم وختم المصحف الشريف خلال الشهر المبارك.

وغالبا ما يفطر الصائمون في السلطنة على التمر والماء واللبن، ويدل ذلك على ارتباط العماني بالنخلة التي توارثها من الأجيال القديمة. وهو ما كان متوفراً آنذاك. كما لاحظ أن العمانيين يستقبلون شهر رمضان بشراء المؤونة والأغذية وصناعة بعض الأطعمة التقليدية وتخزينها في البيوت. 
وتتهيأ الأسواق العمانية استعداداً للشهر الفضيل، وكذلك استعداداً لعيد الفطر، ويُسمى السوق بـ«الهبطات» وهو إرثٌ راسخ تتوارثه الأجيال في المجتمع العُماني. ويتم إعداد الوجبات التقليدية كالشوربة والهريس وأصناف الأرز المختلفة، والحلوى وهي وجبات متوارثة وتتكون من مواد يزرعها الفلاحون.

  • من صور برترام
    من صور برترام

ابتهاج الأهالي
سجل الرحالة البريطاني ابتهاج الأهالي بقدوم شهر رمضان بقيام الناس بتبادل التبريكات والتهاني، وصلاة التراويح التي تقام بعد صلاة العشاء بكافة مساجد وجوامع السلطنة آنذاك. ويتجمع أهل الأحياء من معارف وجيران ويتبادلون أطراف الأحاديث والقصص الدينية وعبر الأسلاف، ويتناولون التمر والقهوة العمُانية والفواكه والخضراوات، ثم يعودون إلى منازلهم للراحة إلى وقت تناول السحور.
ومن العادات العُمانية التي سجلها الرحالة البريطاني، تبادل الجيران قبل الإفطار الأطباق بينهم، التي تزيد من أواصر التسامح والألفة. إنها الاحتفالية الكبيرة بالنسبة للأهالي كباراً وصغاراً ووسيلتهم الفطرية لترسيخ العادات والتقاليد والتراحم فيما بينهم، وتعزيز القيم الإنسانية. وأثناء تجوال الأطفال بين الأزقة والحارات يقوم الأهالي بإعطائهم الحلوى والنقود بكرم وسخاء. كما لاحظ إقامة احتفالية حفظ القرآن، وهي مناسبة تسهم إلى جانب قيمتها الدينية في اجادة اللغة وبلاغتها بالنسبة للطلبة أو المهتمين بها.

مراجع:
1- برترام توماس: مخاطر الاستكشاف في الجزيرة
العربية، ترجمة محمد بن عبدالله، 1981، وزارة التراث القومي والثقافة عمان.
2- Thomas -Bartram Across The Empty Quarter of Arabia.UK.1932
3- Thomas -Bertran، The Arabs، 1940 U.K
4- HYPERLINK «https://en.wikipedia.org/wiki/Bertram_Thomas» Bertram Thomas Wikipedia.