شادي صلاح الدين ووكالات (عواصم)

رغم وجود شبه إجماع عالمي على ضرورة تخفيف القيود التي فرضتها دول العالم لمكافحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19»، لاسيما في ظل التبعات الاقتصادية للإغلاق، تباينت مواقف الدول حول التوقيت الأمثل لذلك التخفيف، وسط مخاوف من «موجة ثانية». 
ووسط آمال انحسار أعداد الوفيات والإصابات في الدول الأكثر تضرراً من الفيروس، واقتراب أعداد المتعافين عالمياً من 650 ألفاً، تواجه معظم الدول تحدي إعادة إطلاق تدريجي للنشاط واحتواء حماسة السكان المعزولين، مع التحذير من احتمال ظهور الفيروس مجدداً عبر المحافظة على تماسك الأنظمة الصحية التي تواجه ضغوطاً مكثفة مع تكدس المستشفيات بالمرضى.
وبدأت ألمانيا التي تعتبر أن وباء كوفيد - 19 بات «تحت السيطرة»، أمس، رفع إجراءات العزل، في عملية بطيئة وحساسة في أوروبا المغلقة منذ أسابيع والمتحمسة لإحياء عجلتها الاقتصادية بعدما سجّلت أعداد وفيات قياسية جراء كورونا المستجدّ.
وحتى الآن، دفعت القارة الأوروبية الثمن الأكبر للوباء بتسجيلها قرابة ثلثي حصيلة الوفيات في العالم البالغة 164 ألفاً. وإيطاليا هي الدولة الأكثر تضرراً من الوباء في أوروبا، بنحو 23660 وفاة، تليها إسبانيا التي سجلت 20453 وفاة، مقارنة بـ19718 وفاة في فرنسا، و16060 في المملكة المتحدة.
واعتبرت السلطات أن الوباء في ألمانيا بات «تحت السيطرة ويمكن إدارته» مع تسجيل 135 ألف إصابة ونحو أربعة آلاف وفاة. وسمحت بإعادة فتح المحال التجارية التي لا تتجاوز مساحتها 800 متر مربع.
وبات يمكن من جديد لمتاجر المواد الغذائية والمكتبات ووكلاء السيارات ومتاجر الألبسة ومحال بيع الزهور استقبال زبائن. وسيتمّ تطبيق هذا التدبير بشكل متفاوت في المقاطعات الـ16 في البلاد، فيما ستبقى الكثير من المتاجر مغلقة في العاصمة برلين.
وتبقى التجمعات التي تضمّ أكثر من شخصين ممنوعة وينبغي أن تتمّ المحافظة على مسافة 1.5 متر بين الشخص والآخر في الأماكن العامة وارتداء القناع الواقي.
لكن المستشارة الألمانية، حذرت من أن الوضع لا يزال «هشاً»، وقالت «نحن في بدايات الجائحة»، مؤكدة أنه لا يزال من المبكر رفع كل تدابير العزل، وسيكون «من المؤسف جداً أن نعاود السقوط».
وتدرس دول أوروبا هذه الاستراتيجية للخروج من الأزمة التي وضعتها ألمانيا القوة الاقتصادية الأولى في القارة العجوز. وأوروبا معزولة منذ قرابة شهر وتستعدّ بعض دولها للبدء برفع بعض إجراءات العزل في وقت يبدو كأنه تمّ احتواء المرض.
وكانت النمسا سمحت، يوم الثلاثاء الماضي، بإعادة فتح المتاجر الصغيرة والحدائق العامة. وبدأت النرويج، أمس، إعادة فتح دور الحضانة والمدارس الابتدائية، في خطوة أولى من عملية بطيئة وتدريجية لرفع القيود المفروضة منذ منتصف مارس.
وقالت سيليي سكيفييل بعدما أوصلت طفليها إلى دار الحضانة، إن ابنها البكر «كان سعيدا جدا لرؤية أصدقائه».
وتستعدّ فرنسا وإسبانيا وإيطاليا التي تسجّل تراجعاً في أعداد الإصابات والوفيات بعد أسابيع من الارتفاع، لأولى تدابير رفع العزل في الأيام أو الأسابيع المقبلة.
واتّخذت فرنسا، أمس، خطوة أولى في هذا الاتّجاه بإعادة السماح بزيارة دور رعاية المسنين، وفق شروط معيّنة. 
وفي الدنمارك سمح للشركات الصغيرة بإعادة فتح أبوابها شرط التقيّد بتدابير نظافة صارمة وبقواعد التباعد، علماً بأن دور الحضانة في البلاد عادت للعمل في 15 أبريل. 
وقال رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب: «سيترتب علينا تعلّم العيش مع الفيروس».
واقترحت فرنسا تشكيل مجموعة من الخبراء الدوليين، على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، لدعم منظمة الصحة العالمية التي تتهمها الولايات المتحدة بسوء إدارة أزمة وباء «كوفيد - 19».
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في مقابلة صحافية، أمس: «يجب منح منظمة الصحة العالمية الوسائل الكفيلة بتحسين معايير مهمتها، وكذلك الأمر بالنسبة لقدرتها على التحذير والتقصي».
وأضاف: «سيكون من المرغوب به إنشاء مجلس أعلى للصحة البشرية والحيوانية، على غرار نموذج الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، مهمته توفير المعرفة العلمية على أساس عمل خبراء معترف بهم».
وتعمل الحكومة الفرنسية التي تواجه انتقادات لتأخرها في تعميم الفحوص وارتداء القناع، على خطة رفع عزل تدريجية اعتباراً من 11 مايو.
وفي إيطاليا، ذكّرت السلطات بأن أولى تدابير تخفيف العزل لن تُتخذ قبل الثالث من مايو. لكن الشركات تعيد فتح أبوابها شيئاً فشيئاً حتى ولو كان ذلك بشكل جزئي مترافق مع العديد من التدابير الوقائية.
في إسبانيا، سُجلت 399 وفاة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة مقابل 410 وفيات في اليوم السابق، في أدنى حصيلة منذ أربعة أسابيع، حسبما أعلنت وزارة الصحة أمس.
وفي المقابل، تم تمديد العزل الذي فرض في 23 مارس في المملكة المتحدة، فيما أكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أمس، أن بريطانيا في حاجة إلى التيقن من أن أي رفع أو تخفيف لإجراءات التباعد الجسدي لن يتسبب في موجة ثانية من تفشي فيروس كورونا المستجد.
وأحصت المملكة المتحدة، أمس، 449 وفاة إضافية بفيروس كورونا في أدنى حصيلة يومية منذ السادس من أبريل. وتعتبر منظمة الصحة العالمية أن الوباء لا يزال بعيداً عن السيطرة على المستوى العالمي، خصوصاً مع «أعداد مستقرة أو متزايدة» في المملكة المتحدة وشرق أوروبا.
وفي الولايات المتحدة، حيث يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعي لاستئناف سريع للنشاط الاقتصادي، بعض حكام الولايات الديمقراطيين، أعلن حاكم ولاية نيويورك بؤرة الفيروس في البلاد، أن تفشي الوباء بدأ يسلك مساراً «انحدارياً» للمرة الأولى منذ ظهوره.
وتجاوز عدد الوفيات عتبة الأربعين ألفاً في أميركا، وفق تعداد جامعة جونز هوبكنز الأميركية التي تعتبر مرجعية.
وفي إفريقيا، تجاوز عدد الوفيات عتبة الألف نهاية الأسبوع الماضي.
وفي الهند، سمحت السلطات، أمس، باستئناف العديد من الأنشطة في البلاد، التي تتضمن قطاعات التصنيع وإقامة البنية التحتية في المناطق الريفية، لتخفيف العبء عن كاهل العمال والمواطنين الفقراء الذين تضرروا بسبب الإغلاق.
وكانت الهند مددت في الأسبوع الماضي قرار الإغلاق المفروض في البلاد، حتى الثالث من مايو المقبل، ولكنها قالت: «إن القيود سيتم تخفيفها فقط في المناطق الريفية»، التي لا يوجد بها نقاط ساخنة. وسجلت الهند أكثر من 17 ألف حالة إصابة بالفيروس، توفي منها 543 حالة.
إلى ذلك، حذر أكثر من 150 اقتصادياً أستراليا الحكومة، أمس، من تخفيف قواعد التباعد الجسدي مع تباطؤ وتيرة الإصابات إلى أدنى مستوى لها منذ أسابيع. وقالوا: «لا يمكن أن يكون لدينا اقتصاد فعال إذا لم نعالج أولاً بشكل شامل تلك الأزمة الصحية العامة».