دينا محمود (لندن)

أكد محللون غربيون أهمية الدور الذي تضطلع به فرنسا حالياً، لمواجهة تهديدات تركيا للقارة الأوروبية عبر تدخلها العسكري المتصاعد في ليبيا، وأطماعها للإبقاء على وجود دائم لقواتها في هذا البلد، الذي تواجه سواحله الشمالية الشواطئ الجنوبية لأوروبا المطلة على البحر المتوسط. وقال المحللون إن باريس أدركت مبكراً خطورة تنامي النفوذ التركي على الساحة الليبية، وما سينجم عن ذلك من فوضى وقلاقل، ستمتد آثارها على الأرجح إلى الدول الأوروبية، التي تتخوف من أن دعم أنقرة للجماعات المتطرفة والإرهابية في ليبيا، يزيد مخاطر وقوع هجمات دموية على أراضيها.
وأشاروا إلى أن هذه المخاوف تتصاعد في ضوء التقارير التي تفيد باعتزام نظام رجب طيب أردوغان إقامة قاعدتيـن عسكريتيـن على الأقل في ليبيا، قائلين إن الدوائر السياسية في العديد من الدول الأوروبية، تخشى من أن تمثل قواعد مثل هذه «منطلقاً» لأعمال عدائية ضد مصالحها ومواطنيها.  كما يسعى النظام التركي إلى أن تشكل قواعده العسكرية المزمعة على التراب الليبي «بوابة» لتعزيز مطامعه التوسعية في القارة الأفريقية، وتعزيز روابطه بالجماعات المتطرفة الناشطة هناك، وخاصة في منطقة الساحل والصحراء، التي تشهد نشاطاً خطيراً لتنظيم «القاعدة» و«داعش».  وفي تصريحات نشرها موقع «ميدل إيست أون لاين» الذي يتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقراً له، أبرز المحللون تنديد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أمام أعضاء مجلس الشيوخ في بلاده، بـ«التهديد التركي» لمصالح دول أوروبا، من خلال الاتفاقية المثيرة للجدل المبرمة بين أنقرة وحكومة فايز السراج في طرابلس، بشأن «ترسيم الحدود البحرية» في البحر المتوسط.
 وأشاروا إلى التحذير الذي أطلقه لودريان من أن الاتفاق يفسح المجال أمام نظام أردوغان، للتنقيب بشكل غير مشروع عن النفط والغاز قبالة السواحل القبرصية واليونانية، وهو ما يهدد مصالح «هاتين الدولتين الحليفتين لنا (لفرنسا) والعضوين في الاتحاد الأوروبي» أيضاً.  وتتخذ فرنسا موقفاً صارماً كذلك حيال إصرار النظام التركي على «استخدام اللاجئين وسيلة للضغط» على الدول الأوروبية، عبر التلويح المستمر بإعادة فتح الأبواب أمام المهاجرين وطالبي اللجوء للوصول إلى أراضي القارة العجوز. في السياق ذاته، اعتبر موقع «إي يو أوبزرفر» أن تأكيدات باريس على ضرورة عدم «استبعاد أي خيارات من على الطاولة في ما يتعلق بمراجعة العلاقات مع أنقرة»، تشكل «دعوة واضحة» لإنهاء المحادثات الجارية منذ عام 2005، بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ومن جانبهم، أكد باحثون في مركز «يونايتد وورلد إنترناشيونال» للدراسات والأبحاث، أن التحركات التخريبية للنظام الحاكم في أنقرة على الساحة الليبية وما ينجم عنها من تهديد للأمن الإقليمي، تثير التساؤلات حول «مبررات عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي الناتو، ولاسيما في ظل التناقضات القائمة بين هذا البلد، وباقي الدول الأعضاء في الحلف». وقال الباحثون إن سياسات نظام أردوغان والمصالح التي يتوخى تحقيقها «تجعله أقرب إلى أعداء الناتو لا إلى حلفائه الأعضاء فيه»، ما يؤكد أهمية الحملة التي تقودها فرنسا لمواجهة محاولات الهيمنة التركية على ليبيا وشرق المتوسط، في إطار استراتيجية «الوطن الأزرق» التوسعية التي تتبناها أنقرة.