أبوظبي (الاتحاد) 

دأبت الإمارات دوماً على السير في درب السلام، وتسعى إلى التعاون البنّاء الذي يعود بالخير على جميع شعوب العالم، متخذة من الوسطية والاعتدال سبيلاً لضمان مستقبل مزدهر، ليس فقط لشعبها، وإنما للإنسانية جمعاء. وحرصت الإمارات، منذ قيامها في عام 1971 بفضل حكمة الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، على ترسيخ علاقات تعاون وصداقة مع جميع دول العالم، كما أدركت أهمية الاعتدال والتوازن في سياستها الخارجية، المبنية على الحوار والتفاهم في التعامل مع القريب والبعيد.
دعت الإمارات دائماً إلى العمل على حل النزاعات بالطرق السلمية، فكان بذلك أن نالت احترام دول العالم ومنظماته الدولية، وتقدير ومحبة الشعوب في مختلف أصقاع المعمورة.
ومثلما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «إن الحوار والطرق السلمية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية هي المدخل الصحيح لتسوية النزاعات والصراعات في المنطقة، ودولة الإمارات دائماً تعمل من أجل السلام الذي يحقق طموحات وتطلعات الشعوب».

قيم التسامح
وفلسفة دولة الإمارات واضحة في التمسك بأهداف السلام وتنمية قيم التسامح والعيش المشترك، وهو ما تجسد في العديد من المبادرات المحلية والعالمية، التي شكلت لحظات مشرقة وعلامات فارقة، ودعوات مدوية امتدت خارج الحدود إلى وقف حرق الشجر والبشر وتدمير الإنسان والعمران.
وتبنت الإمارات نهجاً إنسانياً راسخاً في سياساتها الخارجية، تُرجم في مبادرات تستهدف تقديم المساعدة لجميع المحتاجين من دون تمييز، في مواجهة التحديات الإنسانية على المستويات كافة، فكانت الأعمال الخيرية والإنسانية التي تضطلع بها الدولة ركناً أساسياً ومنهجاً أصيلاً في سياساتها الخارجية.
ولا تكتفي دولة الإمارات بالتحرك الفردي أو ضمن الأطر الجماعية تجاه المناطق التي تشهد أزمات أو كوارث إنسانية، وإنما تدعو دائماً إلى مزيد من الجدية والفاعلية في العمل الإنساني الدولي حتى يكون قادراً على التعامل مع أي تحديات إنسانية محتملة في أي منطقة من العالم.
وتؤمن بأن تعميق الأبعاد الإنسانية في العلاقات الدولية، من شأنه أن يعزز أجواء السلام والاستقرار في العالم، ويعمق روابط الحوار والتفاهم والمصير المشترك بين مختلف الشعوب.

نموذج
الدولة نموذج للعطاء الإنساني الذي لا يتوقف، فأضحت صوت التضامن الإنساني العالمي، ويحظى الدور الإماراتي دوماً بالإشادة والتقدير من جانب المنظمات الأممية الإنسانية والإنمائية، ليس فقط لجهودها في تخفيف معاناة الفقر والتشرد واللجوء والعوز عن ملايين البشر حول العالم، وإنما أيضاً لمشاركتها الفاعلة في مساعدة الدول النامية على تحقيق الأهداف الإنمائية العالمية.
وتبقى الإمارات سباقة في إنجازاتها الإنسانية ونوعية مبادراتها التي تخدم البشرية، وتتواصل مع شركائها في العالم لجعل العالم أكثر أمناً وازدهاراً، في إطار سعيها لتعزيز مسيرة الإنجاز والخير، والمضي إلى المستقبل بكل ثقة.
ويعكس نشاط السياسة الخارجية الإماراتية بوضوح ما تتمتع به الدولة وقيادتها من احترام وتقدير كبيرين على الساحتين الإقليمية والدولية، وما تتميز به هذه السياسة من ديناميكية ورغبة في توسيع خيارات التحرك شرقاً وغرباً.

معاهدة السلام
سجلت الإمارات شجاعة تاريخية فارقة دولياً، من خلال إنجازها التاريخي بإبرام «معاهدة السلام» مع إسرائيل، والتي أهدت بها المنطقة بارقة أمل لتغيير السياسات الإقليمية التي استمرت عقوداً، وتحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار للدول والشعوب.
ومساهمة الدولة في نشر السلام والاستقرار نهج راسخ لا تحيد عنه، فهو الركيزة التي أسس لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، وأكمل المسيرة على خطاه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله».
كلمة السلام قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، خلال المكالمة التاريخية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 13 أغسطس الماضي، وأتممها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، بالتوقيع على المعاهدة في 15 سبتمبر. 
وجاءت المعاهدة في الوقت المناسب، بعد أن شهد العقد الماضي زيادة ملحوظة في الحروب والدمار والنزوح وتحول ديموغرافي متزايد نحو الشباب.
ومثلما أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، في كلمته خلال مراسم توقيع المعاهدة: «أتينا لنقول للعالم إن هذا نهجنا.. والسلام مبدأنا.. ومن كانت بداياته صحيحة ستكون إنجازاته مشرقة». وأضاف سموه: «البحث عن السلم مبدأ أصيل، ولكن المبادئ تتحقق فعلاً عندما تتحول إلى أفعال، وها نحن نشهد فعلاً سيغير وجه الشرق الأوسط، وسيبعث الأمل حول العالم».

مقاربة جديدة
وأسست «معاهدة السلام» لمقاربة جديدة لحل نزاع قديم، وهو النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، خاصة أنها أوقفت خطط إسرائيل الرامية إلى ضم أراض بالضفة الغربية، يأمل الفلسطينيون أن تشكل جزءاً من دولتهم المستقلة، وبذلك، أزالت الإمارات قنبلة موقوتة وأتاحت الوقت أمام جميع الأطراف للخوض في مفاوضات سلام تهدف إلى تسوية النزاع على أساس حل الدولتين، والقوانين الدولية. 
كما أن معاهدة السلام تجسد توجه دولة الإمارات الخاص بتعزيز قيمتي الاعتدال والتسامح، اللتين تقوم عليهما أجندة سياستها الخارجية بمفهومها الأوسع، ففي الوقت الذي تعمل فيه الدولة على بناء جسور التواصل مع إسرائيل وتقاوم القوى المتطرفة التي تتاجر بالأزمات أيضاً، فإن فكرة الحوار الديني بين المسلمين واليهود والمسيحيين والأديان الأخرى تمثل إحدى الطرق، التي يمكن من خلالها أن تعزز العلاقات بين الإمارات وإسرائيل.
ولعبت الإمارات دوراً رائداً يسهم في تعزيز مكانتها الإقليمية باعتبارها عنصراً تقدمياً فاعلاً، وذلك ضمن سعيها لترسيخ نفسها نموذجاً للعالم العربي، فقد أكدت من خلال هذه المعاهدة أن نهجها يختلف عن نهج الدول الأخرى، التي ما زالت تستغل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني لمصلحة أجنداتها الخاصة.

ترحيب عالمي
وتوالت الردود العالمية والعربية المرحبة بمعاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل، التي نجم عنها إيقاف خطة الضم الإسرائيلية لأراض فلسطينية، وسط تأكيدات على أن المعاهدة من شأنها المساهمة في تعزيز الاستقرار في المنطقة، وتبرهن على دور الإمارات في صنع السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط.
وأكد كثير من دول العالم على أهمية المعاهدة في دفع عجلة السلام واستئناف المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، معتبرة أن الأجواء الجديدة التي أظهرها الاتفاق يجب أن تسمح باستئناف المفاوضات، في إطار القانون الدولي والمعايير المتفق عليها.

المرجعيات الدولية
وأكدت الإمارات أهمية أن يغتنم مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة، الفرصة التي أتاحتها معاهدة السلام التاريخية مع إسرائيل لكسر الجمود في عملية السلام، واستئناف المحادثات المباشرة، مشددة على أنها كانت وستظل ملتزمة دائماً بحل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، على أساس قرارات الأمم المتحدة، ومرجعيات مدريد، ومبادرة السلام العربية، وخريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية، وتأمل خفض التصعيد وفتح قنوات التواصل وتعزيز الدبلوماسية، وتؤكد أهمية إعادة التفكير في النهج السابق، من أجل تجاوز الجمود الراهن وإرساء الاستقرار والسلام والازدهار في الشرق الأوسط.

ضامن «السلام»
واضطلعت الإمارات بدور كبير ومهم في التوصل إلى «اتفاق جوبا للسلام» بين الحكومة الانتقالية السودانية، وعدد من الحركات المسلحة، إذ أسهمت الإمارات في جلب تلك الحركات المختلفة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما أفضى إلى توقيع ذلك الاتفاق التاريخي. وتابعت الإمارات مسار المفاوضات عن كثب منذ بدايته، وقدمت الدعم من أجل انضمام مزيد من الأطراف إلى مفاوضات السلام بالتنسيق مع الحكومة الانتقالية، وبذلت جهوداً كبيرة ومهمة أسهمت في نجاح المحادثات. وأشاد فريق الوساطة في اتفاق السلام السوداني بالدور البنّاء لدولة الإمارات في التوصل إلى الاتفاق النهائي الذي تم التوقيع عليه في عاصمة جنوب السودان جوبا، وهو ما ثمّنه عضو فريق الوساطة من جنوب السودان، ضيو مطوك، مؤكداً أن الإمارات ضامن لتنفيذ الاتفاق.
وقبل «اتفاق جوبا للسلام» نجحت الدبلوماسية الإماراتية في إرساء السلام بين إريتريا وإثيوبيا لتنهي بذلك صراعاً استمر عقوداً وأودى بحياة الآلاف. 

تضامن عالمي 
شهد العام الجاري تحديات هائلة على المستوى الصحي والاجتماعي والاقتصادي في أنحاء العالم بفعل جائحة فيروس «كورونا» المستجد، فواصلت دولة الإمارات مبادراتها الإنسانية الرائدة في مواجهة تلك التحديات، تجسيداً لرسالتها السامية التي تسعى من خلالها إلى إعلاء قيم التضامن والتآزر حول العالم لتجاوز تداعيات هذه الأزمة. ومنذ بداية تفشي فيروس «كورونا» المستجد حول العالم، دأبت وزارة الخارجية والتعاون الدولي على ترسيخ النهج الدبلوماسي الذي لطالما اعتمدته الدولة، من خلال التعاون مع جميع دول العالم ومد يد العون للمجتمعات التي تحتاج إلى الدعم والمساعدة، ضمن توطيد أواصر التعاون الدولي والمتعدد الأطراف وترسيخه في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم. ومن هنا، برز دور الوزارة الجوهري في التنسيق مع المنظمات العالمية والجهات الخارجية في مختلف الدول لتأمين المساعدات الحيوية لمواجهة الأزمة الناجمة عن تفشي الجائحة، عملاً بالنهج الذي لطالما اتبعته دولة الإمارات في تعزيز التعاون بين مختلف الأطراف لتخطي التحديات القائمة.

«لا تشلون هم»
تابعت قيادة الدولة من كثب كافة الإجراءات المتخذة من قبل سفارات الدولة وبعثاتها في الخارج، وكانت على تواصل مع السفراء ورؤساء البعثات عبر الهاتف ومن خلال مجموعة من الإحاطات الداخلية لتحفيزهم وتأمين كافة المستلزمات العملية والطبية لتسهيل أعمالهم.
وعقدت الوزارة إحاطة عن بُعد أطلعت منتسبيها خلالها على آخر المستجدات، بشأن الإجراءات الاحترازية المتخذة في دولة الإمارات في ظل أزمة فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19» التي تواجه العالم حالياً وأطلقت خلال الإحاطة خدمة «لا تشلون هم» لأعضاء البعثات الدبلوماسية للدولة في الخارج.
وأنجزت وزارة الخارجية والتعاون الدولي 166 عملية إجلاء جوية وبرية لمواطني الدولة ومرافقيهم، تضمنت 4043 شخصاً من 61 دولة، خلال الفترة التي شهدت إغلاقاً عالمياً لخطوط الطيران، حتى يوليو الماضي.

العمل الخليجي المشترك
حلت ذكرى تأسيس مجلس التعاون الخليجي الـ39 خلال العام، في وقت تترأس فيه الإمارات الدورة الحالية للمجلس، وسط جهود استثنائية تقوم بها، للحفاظ على كيان مجلس التعاون، وتعزيز مسيرته، رغم انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد، الذي يعتبر أبرز التحديات التي تواجه العالم ودول المجلس.
ورغم انتشار جائحة «كورونا»، قادت الإمارات عشرات الاجتماعات الخليجية، عبر تقنية الاتصال المرئي، الهادفة لمواجهة تلك الجائحة وتداعياتها على دول مجلس التعاون، وتعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك.
وعقدت على مدار الفترة الماضية الكثير من الاجتماعات الخليجية في الشأن الاقتصادي والصحي والأمني والبيئي، بقيادة الإمارات.
ومنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، عقدت 40 قمة خليجية اعتيادية، استضافت الإمارات من بينها 6 قمم ترأس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 4 منها، وترأس الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان قمتين.

القضاء على شلل الأطفال
لعبت الإمارات مع شركائها دوراً رائداً في القضاء على شلل الأطفال خلال السنوات الماضية، من خلال دعم توصيل اللقاحات لحماية أكثر من 16 مليون طفل، ودعم جهود تفشي شلل الأطفال في أفغانستان وباكستان والصومال وإثيوبيا وكينيا والسودان، ضمن تنفيذ استراتيجية المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال النهائية 2019 - 2023، والتي تهدف إلى عالم خالٍ من فيروسات شلل الأطفال البرية حول العالم.
ومنذ عام 2011، خصص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أكثر من 250 مليون دولار لدعم الجهود الدولية للقضاء على شلل الأطفال، وهو ما يعكس ويؤكد التزام سموه الشخصي باستئصال الأمراض التي يمكن الوقاية منها والتي تؤثر سلباً على المجتمعات الأكثر فقراً وافتقاراً إلى الخدمات الصحية حول العالم.
وفي هذا الصدد، أكدت المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال (GPEI) أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ظل شريكاً مهماً وبطلاً للمبادرة العالمية، إذ ساهم دعم سموه في تحفيز التقدم لوقف شلل الأطفال في البلدان الموبوءة المتبقية، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز جهود التحصين في باكستان وأفغانستان.

التزام بالمواثيق الدولية
حرصت الإمارات في كل خطواتها على الالتزام بميثاق الأمم المتحدة واحترام المواثيق والقوانين الدولية.
وأشاد المراقبون بقوة الدفع المتجددة والزخم النوعي الجديد الذي أرسته القيادة الحكيمة للدولة، حيث كسبت السياسة الخارجية الإماراتية مساحات حركة خارجية أوسع وأرحب وباتت تمتلك زمام المبادرة في ملفات عدة، وسطع نجمها عالمياً في دوائر اهتمام مستحدثة على أجندة الحوار الدولي.

تنسيق
قادت وزارة الخارجية والتعاون الدولي وبالتنسيق مع الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث خطة الاستجابة، حيث بادرت منذ بداية أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد بإجلاء مواطني الدولة من عدد من الدول المتأثرة، ونوّهت إلى المواطنين الموجودين خارج الدولة بأهمية اتباع تعليمات وإجراءات السلامة والوقاية الطبية والتسجيل في خدمة «تواجدي» والتواصل مع السفارات في بلد المقر أو بمركز الاتصال في الوزارة عند الضرورة.
ولعبت سفارات الدولة وبعثاتها التمثيلية في الخارج دوراً توعوياً محورياً كونها صلة الوصل مع مواطني الدولة الموجودين في الخارج، ونصحت بعثات الدولة الموجودة في الدول الأكثر إصابة المواطنين الإماراتيين بتجنب الأماكن والأقاليم المصابة، واتباع التعليميات الصحية الصادرة عن الجهات الرسمية.

120 دولة
خلال أزمة «كورونا»، قدمت الإمارات المساعدات الطبية والمستلزمات الوقائية إلى 120 دولة حول العالم، استفاد منها أكثر من 1.6 مليون من العاملين على خط الدفاع الأول في القطاع الصحي لدعم جهودهم في احتواء الوباء. 
وبرهنت هذه المساعدات على الإمكانيات الهائلة للقدرات اللوجستية والتخزينية لدولة الإمارات والتي مكنتها من الوصول إلى 120 دولة حول العالم، على الرغم من الصعوبات والتحديات التي تعانيها أغلب قطاعات الشحن والتخزين العالمية.