شادي صلاح الدين، أحمد عاطف (لندن، القاهرة)

تجددت التحذيرات من تنامي خطر تنظيم «الإخوان» الإرهابي في أوروبا، وتغلغله في النسيج السياسي والاجتماعي، بما يستوجب المزيد من القوانين وخطط نشر التوعية لمحاربته، لاسيما أن العديد من الأجهزة الأمنية باتت تعتبر أن هذا التنظيم يشكل الحاضنة الأيديولوجية ونقطة الانطلاق الحركي لمعظم الشباب الذين تطرفوا وتوجهوا إلى سوريا والعراق للانضمام إلى «القاعدة» و«داعش».
وفي إطار الذكرى الخامسة للهجمات الإرهابية التي ضربت بلجيكا عام 2016، نظم «مركز بروكسل الدولي للبحوث وحقوق الإنسان» أول نشاط في البرلمان الفيدرالي البلجيكي بعد جائحة «كورونا»، تحت عنوان «تقييم السياسات الأمنية والسياسية.. خمس سنوات بعد التفجيرات الإرهابية في بروكسل: خطر الإخوان المسلمين على الديمقراطية الأوروبية»، حيث تم عرض كتاب «نزع الأسلحة - الصراع غير المتوازن في مواجهة الإيدولوجيات الإسلاموية المتطرفة»، ومناقشة خطورة تنظيم الإخوان ومحاولة اختراقه للأحزاب السياسية في أوروبا.

الخطر والمواجهة
وأكد رئيس لجنة مكافحة الإرهاب في البرلمان كوين ميتسو، أن خطر التهديدات الإرهابية النابعة أساساً من الجماعات المتطرفة وتنظيم الإخوان على وجه التحديد لم ينتهِ بعد، وقال «إن أوروبا تواجه أخطاراً عدة، أهمها إعادة تشكل الإسلام السياسي وتغلغله. وما يخيف كذلك هو إطلاق سراح أكثر من 400 من المتهمين بالتطرف من السجون البلجيكية، وعدم متابعتهم بما يكفي نظراً لقلة الوسائل القانونية والمادية المتاحة؛ لذلك وكثرة عددهم». وشدد على أهمية نشر التوعية لمحاربة التطرف والفكر الإخواني في بلجيكا وسن قوانين مواكبة لذلك، وشدد على أهمية دور السياسيين والمفكرين في هذا المجال، وقدم 50 توصية منها وضع «الإخوان» في القائمة السوداء نظرا لخطورتهم.
واعتبر وزير الهجرة السابق النائب تيو فرانكن، أن الجماعات الإسلاموية المتطرفة، لاسيما «الإخوان» خطر على أوروبا، باعتبارها السبب الأول في نشر الأيدولوجيات والأفكار المتطرفة ويجب التصدي لها، ومتابعة تهديدها للمجتمعات الأوروبية بشكل موسع قبل فوان الأوان، لافتاً إلى ضرورة التكاتف بين مختلف الفئات والناشطين لمواجهة هذا الخطر، لاسيما أن تلك الجماعات لديها إمكانات مالية ضخمة تساعدها على الوجود والتغلغل القوي.

أولوية قصوى
إلى ذلك، قال مدير «مركز بروكسل الدولي للبحوث وحقوق الإنسان»، رمضان أبو جزر لـ«الاتحاد»: «إن خطر تنظيم الإخوان بات مثيراً للقلق لدى الأجهزة الأمنية المعنية بمواجهة الجماعات الإرهابية لدرجة أنها منحته أولوية قصوى في جداول أعمالها، خاصة خلال السنوات الأخيرة بعد أن تعرضت العديد من المدن الأوروبية لأعمال إرهابية أدت إلى سقوط العديد من الأبرياء، وغيّرت المزاج السياسي للشعوب». وأشار إلى أن الخبراء الأوروبيين يرون أن تنظيم الإخوان كان الحاضنة الأيديولوجية ونقطة الانطلاق الحركي لمعظم الشباب الذين تطرفوا وذهبوا إلى سوريا والعراق للانضمام إلى «القاعدة» و«داعش»، كما أن العمل الخفي لتنظيم الإخوان في الدول الأوروبية جاء مخادعاً وعبر واجهات براقة، مثل منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والجمعيات الخيرية.
وأوضح أبو جزر أن انعقاد المؤتمر جاء متوافقا مع الذكرى الخامسة للهجوم الإرهابي، الذي أصاب مطار بروكسل الدولي ومحطات المترو، ما أدى إلى عشرات القتلى ومئات المصابين، ودفع الحكومة البلجيكية إلى إعادة النظر في سياساتها. وقال «أجمع معظم المشاركين على ضرورة تصنيف (الإخوان) جماعة إرهابية للحيلولة دون تدهور الوضع الأمني مجددا، وأعرب الخبراء الأمنيون عن رفضهم أي محاولة للدفاع عن إيديولوجية الإخوان، خاصة بعد أن شاهدوا تسجيلاً مرئياً يدعو فيه يوسف القرضاوي إلى فتح روما!».

أساليب ملتوية
وشدد أبو جزر على أن تمويل «الإخوان» قضية مؤرقة للغاية للجهات التشريعية والأمنية الأوروبية، خاصة أن التنظيم يستخدم أساليب ملتوية، ويلجأ إلى التحايل على الجهات المصرفية، وغسيل الأموال، معرباً عن مخاوفه بسبب انتقال مجموعات من قيادات وأعضاء التنظيم من تركيا إلى الدول الأوروبية، قائلاً إن ذلك سيؤدي إلى تغذية هذه الجماعة بعناصر حركية متمرسة يصعب على الأجهزة الأمنية رصدها والتعامل معها بكفاءة، علاوة على أن القيادات الإخوانية لديها من الدهاء ما يمكنها من استغلال التساهل والثغرات القانونية لتوطيد أوضاعها، وخداع الأنظمة السياسية بغرض ترسيخ وجودها عبر ادعاء الوسطية والعمل السلمي، في حين تبني قواعدها عبر التغلغل في مختلف الأحزاب السياسية، وطرح شعار المظلومية، وغيرها من وسائل الاستجداء الميكيافيللية، ثم توجيه سهامها المسمومة إلى الدول التي تستضيفها على أراضيها، لافتاً إلى أن المركز يعمل على إعداد الدراسات والتقارير التي ترصد ظاهرة التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «الإخوان»، والخطورة التي يمثلها على الأمن والاستقرار في أوروبا، والعالم.

على قوائم الإرهاب
وكشف أبو جزر، عن تحركات واسعة في البرلمان البلجيكي لإدراج «الإخوان» على قوائم الإرهاب، موضحاً أن هذا القانون سيؤدي إلى أول تحرك فعلي على مستوى الاتحاد لحظر أنشطة الجماعة، خاصة أن قوانين الاتحاد في دولة واحدة تسري على جميع الدول. وقال «إن تفجيرات بروكسل 2016 كشفت ضرورة تعامل الأجهزة الأمنية بحذر مع هذه الجماعة لتورط أعضائها في تهريب عناصر للتعاون مع تنظيم داعش الإرهابي».
وأوضح أنه بمساعدة مراكز بحثية وسياسة في بلجيكا، كشفت استخدام هذه الجماعة أسماء أوروبية لجمعياتها وعناصرها على أمل أن لا يكتشفها أحد، أصبح ينظر لها على أنهم أخطر من «داعش»، لمحاولة تأثيرها على الهوية الأوروبية. ولفت إلى أن هناك تتبعاً كبيراً لعمليات خروج عناصر من بلجيكا وأوروبا والانضمام إلى «داعش»، اكتشفت خلالها الأجهزة الأمنية تورط «الإخوان» المسلمين في تسهيل هذه العمليات بشكل كبير، ما أدى في فترة من الفترات لتزايد الهجمات في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها من البلدان الأوروبية.
وأكد مدير مركز بروكسل الدولي أن نشاطات «الإخوان» ستكون مستهدفة بشكل كبير، وقد سبق ونجحت الضغوطات في مراجعة الميزانيات المالية وإغلاق كثير من المراكز البحثية والدعوية التابعة لهذه الجماعة. ونوه بأنه لن ينفع «الإخوان» شيئاً خلال الفترة المقبلة، لكن يبقى الضغط كبيراً لإقرار قانون بتصنيف هذا التنظيم جماعة إرهابية، وعندها لن ينفع عناصرها سوى اللجوء إلى القضاء لمنع مصادرة أموالهم، مشيراً إلى أنه على كل الدول الأوروبية القيام بإجراءات ضد التنظيم الإرهابي خلال الفترة المقبلة.

مراقبة الأنظمة المصرفية
قال معتصم الحارث الضوّي، الباحث في شؤون «الإخوان» في بريطانيا، إن إعادة انتشار قيادات التنظيم في الدول الأوروبية يهدف إلى الهيمنة، مشيراً في تصريحات لـ«الاتحاد» إلى أن الموجة الجديدة لتكتيكات الجماعة تشمل التحالف غير المعلن مع أحزاب الخضر والتنظيمات اليسارية بشكل عام، والاحتواء ‏المكثف لمنظمات حقوق الإنسان، وشراء الذمم بمختلف الوسائل. ‏ودعا إلى مراقبة الأنظمة المصرفية، معتبراً أن ذلك الخلل كان من أهم الأسباب التي أبقت على التنظيم نشطاً رغم ‏الضربات السياسية التي تلقاها في العديد من الدول، ورغم الرفض الشعبي الواسع لأفكاره ومبادئه.‏ وأعرب عن اعتقاده بأن الخطوة البلجيكية ستؤدي إلى ردود فعل مماثلة في عواصم أوروبية، خاصة تلك التي ‏تعرضت للاختراق الإخواني، وأجرت تحقيقاتها الخاصة بعد اكتمال التحقيق البريطاني الذي طالب به رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد ‏كاميرون، عام 2014.‏