الأربعاء 26 يناير 2022
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
د. عبدالله الغذامي يكتب: نشر الغسيل
عبدالله الغذامي
السبت 27 نوفمبر 2021 00:09

أشد مظاهر الحارة القديمة هو تعليق الملابس المغسولة على الشرفات، وسطوح البيوت ورؤوس الجدران، حيث تتعرض للشمس والهواء لكي تجف من مياهها، وهي أيضاً تنشر روائح الأقمشة المبللة بالماء، حيث تفوح رائحة الصابون ويختلط مزيج الروائح مع الهواء لينشره على الطرقات، ولم تك الرائحة وحدها ولا المنظر وحده هو الظاهرة، بل إن الملابس بألوانها ومستواها وأحجامها كانت بمثابة هوية للمنزل تصف وضع العائلة بالأعمار والجنس والمستوى الاجتماعي وكل ذلك يدل على حال العائلة ومستواها وذوقها، وكلما تعددت أيام نشر الملابس دلّ ذلك على وفرة الحال وكثرة الأفراد، ولم يك ذلك سراً عائلياً، إذ كان كل أمر البيوت مشرعاً أمام العيون، كما كانت العيون أليفةً ولم تك فضولية، وعبارة (نشر الغسيل) كانت وظيفة منزلية واقعية وتلقائية، ولكن العبارة تحولت لمعنى مجازي تلمح لكشف عيوب أمر ما وجعله علناً بين الناس، كما كان نشر الملابس علناً وإشهاراً، ولم تك الملابس سراً ولا عيباً ولم يك نشرها تحدياً أو تهديداً أو فضحاً، بل كانت نوعاً من العلاقة بين البيت من داخله والبيت مع جواره، وكما تفوح روائح الطعام على مشارف نهاية اليوم وتترحل الروائح بين الشوارع حتى لتعرف من الروائح أنواع الأطعمة ومحتوياتها، ومن ثم مستوى طعام هذا البيت أو ذاك، وأذكر من بين أهم الروائح وأميزها رائحة اللحم الذي كان في طفولتنا من النوادر وغالبه يكون في مناسبات الولائم وليس في يوميات المعاش، وأي بيت يطبخ لحماً في غير مناسبة، فإن رائحة الطبيخ هنا ستترحل بين الأزقة لتعلن عن بيت فيه لحم وفي الغالب، فإن أول من يتحرك منساقاً مع رائحة اللحم هي قطط الحي التي ستتسابق نحو مصدر الرائحة وتظل تحوم حول البيت إلى أن تأتي لحظة رمي بقايا اللحم ومعظمه العظام، حيث تحتفل القطط على هذه الحفلة المغرية والفاتحة للنفس والشهية، وتظل رائحة الطبيخ ونشر الملابس هي المعلم المحرك للبصيرة وللشم، ولا يطغى على ذلك إلا رائحة البخور من أي بيت فيه وليمة ويعقب ذلك خروج صحون الطعام تتحرك بين البيوت بعد أن تنتهي حفلة الوليمة، فيجمع أهل البيت بقية الطعام ويرتبونه في صحون متنوعة في الحجم وفي مستوى ما فيها حسب مقامات الجيران وحسب عدد العائلة وكان منظر الصحون، وهي تتحرك بين بيت وبيت يحرك القطط أيضاً لأنها تتبع أي صحن تقفز منه رائحة اللحم، ومن هذه الفعاليات كانت الحارة تنقل سردية اجتماعية ومعنى في العلاقات العامة وفي صيغ الجوار والألفة والتشارك بين البيوت والقلوب والمقامات، فتغرس أريحية ثقافية تبني جسور الذاكرة بين أهل الحارة وتجعل الوصل هو عنوان الجوار.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©