الأحد 2 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

جائزة «كنز الجيل» وترسيخ الهوية الحضارية

د. علي بن تميم
21 يوليو 2022 00:33

د. علي بن تميم
الشعر، تلك الصور البارعة التي تتمثّل العالم في رسائل من الجمال. والشعراء، هؤلاء الذين خاطبهم أمير الشعراء أحمد شوقي: «أنتم الناس أيها الشعراء»، بوصفهم ضمير الناس ولسان حالهم، لقدرتهم على النظر والتفكر والتعبير واكتناز الحكمة في عبارات تتناقلها الألسن وتحفظها الصدور وتعيها الألباب.

الحكمة والجمال
والعرب أمة شاعرة، للشعراء فيها مكانتهم، يُنظر إليهم بعين التقدير والمحبة والإجلال، سواء كان إبداعهم الشعري في اللغة العربية المعيارية، أم في تجليات اللغة العربية المحكية والشفاهية. يستوي في الجمال والعذوبة والمقدرة على اختزال الحكمة والجمال، امرؤ القيس وابن ظاهر، أبو الطيب والشيخ زايد بن سلطان. إنها روح الشعر نفسها التي تنظر، والعقل الذي يزن، والقلب الذي يستشعر ويستخلص، واللسان الذي يصوغ الدرر ويصنع الصور ويضبط القول، أو «القيل» كما يقول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، في واحدة من قصائده الفريدة: 
كمّ صِغْت الشِعْر فَ اوقاته
صيغةٍ تصعب معانيها
مَعْك كَنْز الجيل ميزاته
فاهم اوّلها وتاليها
في بيتين اثنين لخص الشيخ زايد «طيب الله ثراه» معنى الشعر، ففي هذا «الجيل» -أي «القيل» إذ تُقلب القاف إلى جيم في اللهجة الإماراتية- تكمن مقدرة الشاعر على تحويل العادي إلى غير عادي، تحويل الكلام إلى شعر. «الجيل» إذن هو الحكمة وقلائد الأمثال وفرائد المعاني عندما تصوغها النفس الشاعرة فتحولها إلى كنز، فالشعر اكتناز الحكمة والمعرفة للأجيال عبر بثها بنَفَسِ الشعر في صيغ تمتلك سر الخلود.

فن إنساني عظيم
لقد كان هذا التعريف البارع للشعر، كما وضعه الأب المؤسس الشيخ زايد، هو الشعلة التي أنارت لنا في مركز أبوظبي للغة العربية الطريق لإطلاق جائزة «كنز الجيل» التي خصصناها للشعر النبطي، إذ نراه كنزاً، حري بنا أن نرعاه ونحفظه للأجيال، وحري بنا أن ندعم استمرار الأجيال الجديدة في الإضافة إليه، والإبداع فيه، والحفاظ على جمالياته التي تصلهم وصلاً جميلاً بتاريخهم، وتربطهم برباط من الإبداع بتراثهم الزاخر بالجمال والمعرفة والحكمة. 
الشعر النبطي فن إنساني عظيم، له قواعده ومعاييره وجمالياته التي استمدها من حضوره وثيق الصلة بتفاصيل حياة الناس، وأحلامهم وآمالهم، وهمومهم. ولذا فهو -إضافةً إلى كونه بجمالياته يمثل أحد أرقى ألوان الإبداع القولي الشعبي- يعدّ مدخلاً دقيقاً للتعرف على خصال المجتمع وطباعه، وتفاصيل الحياة اليومية، ومنظومة القيم الحاكمة في تطورها واختلافها باختلاف الأزمنة والمواقف. 
إنه بالفعل كما عبر عنه الشيخ زايد «طيب الله ثراه» وأجاد التعبير «كنز الجيل»، إذ جعل المفردة قابلة للتأويل، يمكن أن نقرأها «الجيل» بمعنى القيل، ويمكن أن نقرأها «الجيل» في تأويل مختلف لا يختل معه المعنى ولا ترتبك الرسالة، وهذا واحد من أسرار الشعر النبطي أجاد استعماله كبار الشعراء الملهمين أصحاب الفطرة الشعرية واللغوية السليمة.

بين الأجداد والأحفاد
وهدفنا من وراء جائزة «كنز الجيل» هو ترسيخ مكانة الشعر النبطي في نفوس الأجيال الشابة، على عدة صعد، نراها متكاملة غير منفصلة، أولها توسيع آفاق معارفهم برموز هذا الفن الأصيل من شعراء أضافوا إلى سجل الشعر النبطي آيات من الجمال والحكمة والمعرفة، وأبرزهم الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد «طيب الله ثراه»، الذي لا يقل ديوانه الشعري في أهميته المعرفية والجمالية عن شعراء العالم الإنسانيين الكبار، وهو ما سيكتشفه القراء على اختلاف لغاتهم، قريباً، حين نبدأ في طباعة ونشر ترجماته إلى لغات العالم من إنجليزية وفرنسية وإيطالية وإسبانية، وغيرها من لغات.
وثاني هذه الصعد هو الصعيد الفني، إذ نسعى من خلال الجائزة إلى إثارة الاهتمام النقدي للدراسة والبحث في معايير هذا الفن القولي البديع، وتحري أشكال الإبداع فيه، ومعرفة أوزانه وتقاليده وتطورها التاريخي والثقافي والمجتمعي، لتشجيع الأجيال الجديدة على الإبداع فيه، نقداً وشعراً، على خلفيات منضبطة معرفياً ومنهجياً، وتمكينهم من الإضافة -بما لديهم من ملكات وقدرات- داخل هذا الإطار الثري الذي راكمه الأجداد. 
والصعيد الثالث هو المحتوى، إذ نأمل أن يسهم نشر المعرفة المنضبطة بالشعر النبطي -تاريخاً وفناً- في حفز الأجيال الجديدة على استخدامه أداة جمالية ومعرفية، للتعبير عن تفاصيل الحياة المعاصرة، كما دأب أجدادهم وآباؤهم على التعبير عن حياتهم شعراً، فنكون بذلك قد نجحنا في وصل تيار الوعي الفني والإنتاج الإبداعي بين الأجداد والأحفاد، وعززنا ملامح هويتنا الحضارية عبر لون فني تراثي أصيل نجح على مدار عقود في نقل صورة فنية جزلة وثرية عن ثقافة المجتمع وتاريخه وعاداته وتقاليده ولغته وآماله وأحلامه.
رئيس مركز أبوظبي للغة العربية 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©