السبت 3 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

«بداية ونهاية».. مأساة بطلها الفقر

«بداية ونهاية».. مأساة بطلها الفقر
17 سبتمبر 2022 00:04

سلطان الحجار (أبوظبي)

«بداية ونهاية».. من أشهر روايات الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، التي تسرد قصة أسرة كان يعرفها محفوظ نفسه، وتدور أحداثها حول العائلة التي تصارع للبقاء على قيد الحياة في ظل الظروف الصعبة في ذاك الوقت، في محاولة للقفز من فوق أسوار الفقر والعوز، لتحط الأسرة رحالها على بساط الحياة أو حتى هامشها..
وفي عام 1960، انتقلت هذه الرواية إلى شاشة السينما المصرية، في فيلم من بطولة فريد شوقي، عمر الشريف، أمينة رزق، سناء جميل، آمال فريد، حسين كمال، وصلاح منصور، ومن إخراج صلاح أبو سيف، وسيناريو صلاح عز الدين، وحوار أحمد شكري وكامل عبد السلام، وتم تصوير وطبع وتحميض هذا العمل، الذي يُعد من علامات السينما المصرية، في استوديوهات جلال.
وتُعد «بداية ونهاية» أولى روايات نجيب محفوظ التي تحولت إلى فيلم سينمائي، والذي تم ترشيحه لنيل جائزة مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1961.
تدور أحداث الفيلم حول أسرة فقيرة يموت عائلها ويترك أماً و4 أبناء، فريد شوقي في دور (حسن) الابن الأكبر الذي ينتهي به الحال إلى العيش في دائرة الخطايا، وحسين كمال في دور (حسين) الابن الأوسط الذي يقبل العمل بشهادته المتوسطة، حتى يتيح الفرصة لأخيه (حسنين) الذي قام بدوره عمر الشريف، ليكمل دراسته ويلتحق بالكلية الحربية، أما الابنة (نفيسة) التي أدت دورها ببراعة سناء جميل، والتي تفتقد الجمال فيطردها (سليمان البقال)، الذي يقوم بدوره صلاح منصور، من حياته بعد أن غرر بها، لتسقط في بئر الرذيلة دون أن يعرف أحد، لتساعد أخاها حسنين وأمها بالمبالغ القليلة التي تحصل عليها، ولا يزال هذا الدور يحسب لسناء بشكل استثنائي. 
يتخرج (حسنين) ضابطاً، فيتنكر لأسرته وخطيبته ووسطه الاجتماعي المعدم، ويتطلع إلى الارتباط بالطبقة الثرية، عن طريق الزواج من إحدى فتياتها، في الوقت نفسه يتم القبض على (حسن) بعد مطاردة البوليس له نتيجة تورطه في العديد من الجرائم، ومع استمرار الأحداث يتم استدعاء (حسنين) إلى قسم البوليس ليجد أخته متهمة بممارسة أعمال منافية للآداب، ليفاجأ بانهيار عالمه من حوله، وتبخر أحلامه تحت أقدام أسرة دهسها الفقر تحت عجلاته القاسية من دون رحمة، فيصطحب أخته (نفيسة) إلى أحد كباري نهر النيل ويجبرها على إلقاء نفسها لتموت غرقاً في محاولة للتخلص منها ومن الفضيحة، وفي ذات اللحظة ينظر حسنين إلى الحياة بسوداوية ويأس، فيلقى بنفسه وراءها في النيل، متناسياً تضحيات هذه الأخت المحبة المخلصة التي تساعد أمها وأشقائها بالحياكة بالأجر على ماكينة خياطة لتحصل على قروش قليلة تدسها في يده لاستكمال دراسته ولحبها له.
واحتلت سناء جميل المركز الثالث في جائزة أفضل ممثلة بين ممثلات العالم، وكانت هذه هي أول مرة تحتل فيها ممثلة عربية إحدى المراتب الأولى في مهرجانات دولية «موسكو السينمائي الدولي»، كما تم تصنيف الفيلم في المركز السابع ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد.

خيوط المأساة
فيلم «بداية ونهاية» يُعد من أهم الأفلام التي شهدتها السينما المصرية، فهو يناقش جانباً من أهم جوانب المجتمع المصري، ألا وهي الفقر الشديد الذي تمر به الأسر المصرية أثناء فترة الاحتلال البريطاني، وكيفية التكيف مع هذه الحياة الصعبة والشاقة والبائسة.
طاقم التمثيل أدى هذا الفيلم بحرفية كبيرة وبشكل رائع، ومن الشخصيات البارزة في الفيلم الممثلة القديرة أمينة رزق، في دور الأم، والتي تحاول أن تحتفظ ببيتها قائماً على أبنائها الأربعة بعد موت زوجها فجأة، وتحاول تدبير أمور حياتها وأسرتها بالمعاش الضئيل الذي تحصل عليه، متحملة شظف العيش والحرمان.
ونجح المخرج صلاح أبو سيف، في رصد المشاكل والمصاعب الوحشية الناجمة عن الفقر في مجتمع لا يرحم، ولا يترك للكادحين أي فرصة للحصول على حياة إنسانية، ومع تطور الأحداث يختلف مصير كل من هؤلاء الأبناء الثلاثة بين الطيب والشرير والقبيح، إضافة إلى الابنة الوحيدة التي تدفعها ظروفها المأساوية للسقوط في بئر الرذيلة، إلى أن تنتهى مصائر الأسرة كلها بالسقوط المادي والروحي والجسدي معاً، إلا أن الأم تحاول الصمود في وجه هذا المجتمع القاسي، وتأبى السقوط رغم ما تمر من انكسار نفسي. 
وهكذا تكتمل خيوط المأساة في هذا الصراع الوحشي لتجاوز الفقر والمهانة ومحنة الصعود والهروب من الفقر، وهذه الخيوط تتجسد في عمر الشريف (حسنين)، هذا الشاب المغرور الذي يبدي ضيقه وضجره من هذا العالم المشوه طوال الوقت، بينما يواصل الأخ الثالث الطيب (حسين) حياته البسيطة المتواضعة المستقيمة كاتباً صغيراً في مدرسة طنطا، حيث يسعى وكيلها لتزويجه ابنته لتكتمل مآسي الأطراف الأخرى.

رفض وتمرد
أما عن الأثاث والديكورات التي شهدها الفيلم، فهي تعبير عن فقر الأسرة واضمحلالها، ونزولها إلى أدنى درجة اجتماعية، ما انعكس على تصرفات الشخصيات الثلاث المحورية في الرواية ألا وهي: حسن وحسنين ونفيسة، والتي التجأت إلى الثورة والرفض والتمرد على الواقع، فالمكان الذي يعيشون فيه يعكس مدى المأساة التي يمرون بها والفقر الشديد الذي يسكن كل فرد بالعائلة..
في هذا المنزل اختفى الأثاث أو كاد يختفي من البيت، بعد أن اضطرت الأم إلى بيع كل شيء، فلم يبقَ بحجرة الاستقبال بعد بيع سجادتها، سوى كنبتين تستعملان نهاراً للجلوس وليلاً للنوم، حتى انتهى بهم الحال إلى تناول طعامهم على صينية مفترشين الأرض، لنرى من خلال هذا الوضع أن الأسرة أصابها تغير كبير ليس على مستوى الشخوص فقط، بل على مستوى الأمتعة والأثاث، تعبيراً عن حالة الفقر التي تمزق كيانها.
أما عن الموسيقى التصويرية في الفيلم، فهي اعتمدت على أنغام حزينة، وأحياناً نراها تصرخ وكأنها تحاول التخلص من شبح الفقر، بل وقتله من أجل أن تعيش الأسرة وتخرج من عباءته التي تمزق كيانها، وهذه الموسيقى وضعها ببراعة فؤاد الظاهري.

الرواية.. فيلم مكسيكي
«بداية ونهاية» رواية صدرت عام 1949، وهي مستوحاة من قصة حقيقية لأسرة كان يعرفها نجيب محفوظ بشكل شخصي، وتتناول الرواية حياة أسرة فقيرة تتكون من الأمّ وأبنائها الأربعة تعيش على راتب تقاعد الأب المتوفى، وهي ذات طابع تراجيدي، فيها تتبع وتصوير لتعقيدات وقسوة الحياة وعلاقات الأفراد بالمجتمع الذي حولهم، والتقاء التفاعلات الاجتماعية مع الواقع.. هي أول رواية لمحفوظ تحوّل إلى فيلم سينمائي (عام 1960 من إخراج صلاح أبو سيف)، ثم تحوّلت عام 1993 إلى فيلم مكسيكي.. كما تُرجمت الرواية إلى الإنجليزية «رمسيس عوض» عام 1985 عن طريق قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ثم إلى الإسبانية عام 1994، وإلى الألمانية عام 2002، وإلى الفرنسية عام 1996 بعنوان «يأتي الليل» (Vienne la nuit).

صاحب نوبل
نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا (11 ديسمبر 1911 - 30 أغسطس 2006)، والمعروف باسمه الأدبي نجيب محفوظ، وهو روائي، وكاتب مصري، يُعد أول أديب عربي حائز جائزة نوبل في الأدب.. كتب نجيب محفوظ منذ الثلاثينات، واستمر حتى 2004، وتدور أحداث جميع رواياته في مصر، وتظهر فيها سمة متكررة هي «الحارة» التي تعادل العالم في نظره.. ومن أشهر أعماله: «الثلاثية، وأولاد حارتنا، واللص والكلاب»، وغيرها، ويُصنف أدب محفوظ باعتباره أدباً واقعياً، لظهور مواضيع وجودية فيه، ويُعد أكثر أديب عربي نُقلت أعماله إلى السينما والتلفزيون.
سُمي نجيب محفوظ باسمٍ مركب تقديراً من والده الموظف «عبد العزيز إبراهيم» للطبيب المعروف نجيب باشا محفوظ، والذي أشرف على ولادته التي كانت متعسرة، بحي الجمالية، القاهرة.. ووالدته هي «فاطمة مصطفى قشيشة»، ابنة الشيخ «مصطفى قشيشة»، وهو من علماء الأزهر، وكان نجيب أصغر إخوته، ولأن الفرق بينه وبين أقرب إخوته سناً إليه كان عشر سنواتٍ، فقد عومل كأنه طفلٌ وحيد.
كان محفوظ عمره 7 أعوامٍ حين قامت ثورة 1919، والتي أثرت فيه وتذكرها فيما بعد في بين القصرين، أول أجزاء ثلاثيته.. التحق بجامعة القاهرة في 1930، وحصل على ليسانس الفلسفة، وشرع بعدها في إعداد رسالة الماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية، ثم غير رأيه وقرر التركيز على الأدب. 
تزوج نجيب محفوظ في فترة توقفه عن الكتابة بعد ثورة 1952 من السيدة «عطية الله إبراهيم»، ولم يُعرف عن زواجه إلا بعد عشر سنواتٍ من حدوثه، عندما تشاجرت إحدى ابنتيه «أم كلثوم» مع زميلة لها في المدرسة، فعرف الشاعر صلاح جاهين بالأمر من والد الطالبة، وانتشر الخبر بين المعارف.
في عام 1939، نشر بمجلة الرسالة روايته الأولى «عبث الأقدار»، التي تقدم مفهومه عن الواقعية التاريخية، ثم نشر «كفاح طيبة»، و«رادوبيس» منهياً ثلاثية تاريخية في زمن الفراعنة.. وبدءاً من عام 1945 بدأ محفوظ خطه الروائي الواقعي برواية «القاهرة الجديدة»، ثم «خان الخليلي»، و«زقاق المدق»، ثم جرب محفوظ الواقعية النفسية في رواية «السراب»، ثم عاد إلى الواقعية الاجتماعية مع «بداية ونهاية»، و«ثلاثية القاهرة».. فيما بعد اتجه محفوظ إلى الرمزية في رواياته: «الشحاذ»، و«أولاد حارتنا»، والتي كانت سبباً في التحريض على محاولة اغتياله في أكتوبر 1995، وتعتبر مؤلّفات محفوظ بمثابة مرآة للحياة الاجتماعية والسياسية، لتعكس رؤية المثقّفين على اختلاف ميولهم إلى السلطة.
تُوفي نجيب محفوظ في 30 أغسطس 2006 عن عمر ناهز 95 عاماً إثر قرحة نازفة، ومشكلات صحية في الرئة، والكليتين.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©