الإثنين 28 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

استراتيجية الترجمة.. بين الضرورة والواقع

استراتيجية الترجمة.. بين الضرورة والواقع
29 سبتمبر 2022 01:11

عزالدين عناية

ثمة دور جليل ملقى على عاتق المترجم في تعزيز قدرات الثقافة المحلية، من خلال رفدها برؤى جديدة وتجارب مغايرة. وهي حاجة حيوية لا تخلو منها ثقافة ترنو إلى التطور والتجدد. ولذلك حتى الثقافات المزدهرة والحاضرة بقوة في الساحة الدولية لا غنى لها عن الترجمة. ولا ريب أن الثقافة العربية الحالية هي في أمسّ الحاجة إلى استجلاب الأعمال الأجنبية، لتحفيز الثقافة المحلية وربطها بما يعتمل في الساحة العالمية. فالتواصل مع المنتوج العالمي يجري وفق مسارين: مسار الاستعمال المباشر للغة الأجنبية ومسار الترجمة، والمسار الأول هو نخبوي وحصري، ويصعب أن يُحوّل فكر الآخر وأدبه إلى مادة رائجة الاستهلاك ومتداوَلة على نطاق واسع، في حين أن المسار الثاني، مسار الترجمة وجلب المعارف من لغة إلى لغة، هو القادر على «الاستثمار المعرفي» في العمل الأجنبي وإدراجه ضمن دورة ثقافية يغدو بموجبها العمل المترجَم منتوجاً مستهلَكاً على نطاق واسع.
وضمن السياق العربي المعاصر غالباً ما يُثار إشكال بين المثقفين، حول كيفية إخراج الثقافة العربية من الرتابة الطاغية على مقولاتها، ومن هشاشة طروحاتها، وضيق نظرتها في حقول متنوعة؟ وفي الواقع لن يتأتى هذا التجاوز سوى بتحويرات بنيوية تشمل قطاعات عدة، منها تكثيف نقل تجارب الآخرين، المعرفية والأدبية والفنية، والتجادل معها ومحاورتها، ومن ثَمّ مواكبة ما يعتمل في الحراك الثقافي العالمي وتبيّن مساراته. وما من شك أنّ لدينا العديد من الحقول المعرفية رثّة المنشأ، وهشّة الأسس، ولاسيما في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مجالات الإلمام بالحضارات والديانات الأخرى. فقد نشأت سلسلة من المقاربات، وتطورت مجموعة من المناهج، خارج حاضنة الثقافة العربية. لم نواكب مخاضها، ولم نتابع الجدل بشأنها، ما جعلنا لا نوفّق في توظيف قدراتها التوظيف الحسن. فعلى سبيل المثال لا يكفي أن نَدرس علم الاجتماع وتاريخه بطريقة سكولاستيكية باهتة، كما هو سائد في جامعاتنا، ولكن أن نواكب التطورات الحاصلة، ونعي حاجاتنا الملحة، ونحتكّ بتجارب الآخرين، ونستلهم ما فيها من إمكانيات، بهدف الاقتراب من التعريب الوظيفي لذلك العلم وغيره، ونقصد به جعل الأدوات المعرفية في خدمة واقعنا لفهم مضامينه وتحولاته وتحدياته.

رافد حضاري
والملاحظ في خضم الجهد المبذول من المترجمين العرب ومن المؤسسات الراعية، أنّ نسبة ترجمة الرواية والقصة -على محدودية الكمّية والنوعية- هي ما يطغى لدينا في منجزات الترجمة إلى العربية، وذلك لاعتبارات تجارية صرفة. فسوق الرواية المترجَمة إلى لغة الضاد هو بيد دور نشر خاصة، وهي دور تحتكم إلى قانون العرض والطلب، ولا تقدر، في أوضاعها الراهنة، على تبني استراتيجية قومية في الترجمة. ومن هنا بقيت المؤلفات الأجنبية المعتبَرة، الفكرية والتحليلية، والمراجع الكبرى في دراسة الأدب والتاريخ والدين والفلسفة، تشكو نقصاً واضحاً ضمن قائمة الأعمال التي ينبغي أن تُتَرجم وترفد الثقافة العربية.
وبناءً على هذا المعطى، أُلحّ دائماً على أنّ الترجمة كرافد حضاري هي بالأساس استراتيجية دولة، ولا يمكن أن يتحمّل مسؤوليتها القطاع الخاص أو يتكفل بها، وإن كان يسهم بجهد مقدَّر فيها، لأن المؤسسات المدعومة من الدولة هي الأقدر على إرساء المشاريع الهيكلية الهادفة والواضحة، مثل ترجمة القواميس، والموسوعات، وكبريات مراجع المدوّنة العالمية، في الفكر والسينما والأدب وغيرها من الفنون في شتى حقول المعرفة. وفي حال قطاع النشر العربي الحالي وأوضاعه المرتبكة، فإنّ الترجمة الهادفة ليس في وسع دور النشر أن تتحمل أعباءها أو تتولاها، وأوضاعها شبيهة بأوضاع البقالات في تعاملها مع البضاعة والزبائن.

سلّم الأولويات  
ويملي الحديث عن القضايا الهيكلية للترجمة تحديد مدلول استراتيجية الترجمة. وفي ما نقصده تعني الاستراتيجية إدراك الثقافة معنى حضورها في العالم، وحرصها على الإحاطة بما يعتمل في الثقافات الأخرى، وهو أمر حيوي لكل ثقافة متفاعلة مع العالم، وكلّما خبت تلك الجذوة إلا ودخلت الثقافة المحلية في ما يشبه السبات والجمود. ولا يغيب عنا سؤال جدير بالطرح أثناء حديثنا عن استراتيجية الترجمة، ألا وهو: كيف يتجلى سلّم الأولويات في قطاع الترجمة ضمن الخطّ الذي تنتهجه دور النشر العربية في الوقت الحالي؟ الجلي فيه هيمنة الترجمة الأدبية، والمتلخّصة في ترجمة الرواية، وذلك اهتداء بقوائم «البيست سيلر» الغربية، وعبر منتقيات لأسماء رائجة في سوق النشر، وإن افتقدت أحياناً إلى تضمن قضايا حضارية أو أدبية ذات مغزى لنا سوى كونها رائجة في الساحة. فاللافت أنّ دور النشر العربية الخاصة قد تراجعت كثيراً عن فترة الثمانينيات وما تلاها، وهي الفترة التي شهدت ترجمة أعمال أجنبية مهمة ساهمت في ترقية الفكر العربي وتطويره. وكانت جملة من دور النشر العربية والمراكز البحثية، تحمل رسالة فكرية هادفة وواضحة، ووظّفت قدرات المترجم العربي ووجهتها نحو هذا المنحى. واليوم بات هذا التوجيه فاتراً لتراجع المحفزات وفقدان الأهداف الكبرى، ناهيك عن خضوع دُور النشر في مجملها إلى منطق التنافس التجاري، حتى بات أغلب القائمين على دور النشر العربية أقرب إلى عالم التجارة والبزنس منه إلى عالم الثقافة والمثقفين، وإن موَّه كثير منهم بأنهم في الأصل شعراء وأدباء وما شابه ذلك.
 وفي ظلّ هذا التراجع من اللازم أن تتنبه الهيئات الرسمية، ذات البعد الوطني والقومي إلى تصحيح المسارات، وخوض الرهان مجدداً في تحمل مسؤولية ترقية وعي الإنسان العربي، من أجل ربط القارئ بما يعتمل في الساحة العالمية من إبداع، على مستوى فكري وفلسفي وأدبي، حتى تخرج الترجمة من حالتي التيه والارتباك.

واقع مؤلم
ومن تجربتي الخاصة في مجالي الترجمة والمراجعة من اللغات الأجنبية، ولاسيما ما تعلق منها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، لا ألحظ حرصاً أو شغفاً لدى دور النشر الخاصة في نشر الأعمال «الثقيلة». وإن قبل أصحاب تلك الدور بنشر مؤلف من ذلك الصنف، فإن العملية غالباً ما تتخفى وراءها كوارث: انتهاك للحقوق، وسطو على الجهود، مع أجر زهيد للمترجم -هذا إن توفر- يَدْفع إلى الإحباط وعدم تكرار خوض التجربة. فالانتهاك الصارخ لحقوق المترجم يجعله أقرب إلى الرضوخ لنظام السخرة منه إلى القيام بدور حضاري نبيل. 
وهذه المظلمة التي تسلّطت على المترجم العربي على مدى عقود، رفعَ مشروع «كلمة» في أبوظبي ضيمها منذ تأسيسه، بحرصه على تقدير جهود المترجم والمؤلف، ولذلك مثّل المشروع تحدياً لتقاليد مجحفة في قطاع الترجمة كانت لا تراعي أدنى الحقوق.
وجراء فقدان استراتيجية الترجمة فقدنا المترجم الممتهن عمل الترجمة، وربما المتطلع إلى بلورة مشروع ترجمي في حدود إمكانياته وطموحاته. ولذلك يطبع المترجمون العرب طابع الترحّل بين فنون الأشغال والأعمال، وتشكّل إنجازات الترجمة جانباً هامشياً من جوانب انشغالاتهم، ولا تمثل شغلهم الدائم أو مشروعهم الأثير. 
سألتُ مترجماً عربياً قديراً: لِم لا تكتفي بعمل الترجمة، تفادياً لتشتّت جهودك وحرصاً على الحفاظ على طاقتك؟ رد قائلاً: المترجم العربي ليظفر بعيش كريم عليه أن ينوّع مصادر الدخل وإلا داهمته الخصاصة. ولذلك تجد جلّ المترجمين لدينا، في مجال نقل المؤلفات والدراسات والأبحاث، غالباً ما يشتغلون بشكل خاطف وطارئ، هذا إن فازوا بتعاقد مع مؤسسة لإنجاز عمل ما، ناهيك عن فقدان المشاريع الخاصة لديهم بالانكباب على حقل بعينه أو الانشغال بأعمال كاتب محدد.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©