الحدث الأكثر سخونة خلال الأيام الماضية يدور في بلاد العم سام، متمثلاً في موجة العنف والتظاهرات وأعمال النهب والفوضى، التي رافقت احتجاجات مجتمع الأميركيين السود، على خلفية مقتل المواطن جورج فلويد، في واقعة تضاف إلى سلسلة وقائع سابقة، يعتبرها الأميركيون من ذوي الأصول الأفريقية ممارسات عنصرية ممنهجة ضدهم، وبخاصة أنها من طرف مؤسسة الشرطة، التي يعول عليها قانونياً في أن تكون عادلة وحامية لجميع الأميركيين بالتساوي.
إن التنوع العرقي الذي تأسست على خلفيته الولايات المتحدة، جعلها تطوي العقود وهي تحمل تاريخاً ممتداً من الصراع بين العرقيات المختلفة، لكن ثنائية الأسود مقابل الأبيض تبقى في الواجهة باستمرار منذ عقود طويلة، بينما أصبحت قضية إبادة الهنود الحمر ومظلوميتهم مجالاً للخيال السينمائي لا أكثر، في حين تتصاعد بين فترة وأخرى الحوادث العنصرية والاحتكاكات بين رجال الشرطة ومجتمع السود لأسباب متفرقة، لكنها في النهاية تجعل مجتمع ذوي البشرة السوداء من الأميركيين المنحدرين من أصول أفريقية يعودون بالصراع مع الرجل الأبيض إلى واجهة المشهد الإعلامي من جديد.
وفي إطار النقاشات التي تتبعت هذه الإشكالية في المجتمع الأميركي، هناك من يذهب إلى أن السود أنفسهم يتحملون مسؤولية كبرى تجاه استمرار ملامح الاضطهاد والممارسات العنصرية ضد بني جلدتهم، ويلاحظ عدد من المراقبين أن النخب السوداء ومشاهيرها، عندما يصلون إلى القمة يتجهون فوراً إلى التماهي والذوبان في مجتمع البيض، وذلك لاعتقادهم بأن الحفاظ على تميزهم ونفوذهم وشعبيتهم يتطلب دوماً الحصول على التأييد المطلق من قبل الآخر، مقابل التخلي عن بني جلدتهم.
ونكاد نتفق مع هذا الرأي، بالقياس إلى أن باراك أوباما، وهو الرئيس الأميركي الوحيد الذي ينحدر من مجتمع الأميركيين السود، ذهب إلى خيار التماهي والتموضع مع النخب البيضاء، وإلى استعارة منطقها وخياراتها تجاه عدد من القضايا، الأمر الذي جعل أوباما في نظر الأميركيين السود بعيداً عن تمثيل مصالحهم وهمومهم التاريخية.
تحضر في هذا المضمار أيضاً شخصية المغني العالمي الشهير مايكل جاكسون، الذي لمع نجمه وكان ناجحاً بشكل استثنائي، إذ اكتسب جمهوراً من كافة قارات العالم، ولم يكن الجمهور حينها ينظر إلى لون بشرة مايكل جاكسون عندما ذاعت شهرته عالمياً، بل كان يصغي إلى فنه، ففي نوفمبر 1982 أصدر جاكسون ألبومه الشهير «ثريلر»، الذي دخل موسوعة «جينس» للأرقام القياسية كأكثر ألبوم مبيعاً في التاريخ، لكن هذا النجاح الخرافي لم يشبعه، فبعد أن قطف شهرة واسعة من خلال لونه الغنائي، لم يقتنع أو يثق بما حققه، وقام بتغيير لون بشرته إلى الأبيض، في دلالة مباشرة على أن أفراد مجتمع الأميركان السود لا يزالوا يعانون إشكالية عدم الثقة بما هم عليه.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن المظاهرات وأحداث الشغب التي اندلعت في موجات غاضبة شملت عشرات المدن الأميركية، على خلفية مقتل جورج فلويد على يد شرطي أبيض، تزداد تفاعلاً وتكتسب زخماً إعلامياً لدى المحللين من مختلف اتجاهات اليمين واليسار في أميركا، لأن الحدث الطازج وقع بينما الولايات المتحدة على مشارف انتخابات رئاسية قادمة، تزداد سخونتها مع وجود رئيس مثل ترامب، الذي يبدو أنه كان يراهن على تعافي الاقتصاد الأميركي ما قبل تفشي وباء كورونا، ثم هبت موجة المظاهرات الأخيرة التي نبشت ملف العنصرية في أميركا، مما يجعل التحدي أمام ترامب مضاعفاً، فهو مطالب الآن بمواجهة آثار كورونا السلبية على الاقتصاد، بالإضافة إلى ملف مقتل جورج فلويد، الذي أخذ أبعاداً أكثر عمقاً، وفتح قضية العنصرية في المجتمع الأميركي ضد السود مجدداً.


*كاتب إماراتي