لا أحب عادة الكتابة حول القضية الفلسطينية في لحظة اندفاع عاطفي كردة فعل للجرائم التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني الذي أقر العالم كله بحقوقه المسلوبة. لكن العالم اختلف في طرق إعادة هذه الحقوق إلى أهلها. أفضل حكاية تلخص ما مر به الشعب الفلسطيني هي: كان هناك إنسان يملك بيتاً به ملحق وبستان، جاء بعض المشردين من ديارهم دون إذن وقرروا الإقامة في طرف البستان، استغرب الفلسطيني من هذا التصرف لكنه تحمله على مضض، وفي يوم من الأيام قرر المهاجرون دخول البستان واقتطاع جزء منه لهم، استنكر الفلسطيني هذا التصرف الأهوج، ورفع أمره للقضاء العالمي الذي رد عليه بقرارات جازمة بأن الحق معه.
ومع مرور الزمن دخل المهاجرون إلى الملحق وأقاموا فيه، وكرر صاحبنا الاستعانة بالمجالس الدولية التي أصدرت نفس القرارات، ومرت السنون حتى طلب هؤلاء من الفلسطيني إخلاء داره لهم والسكن في خيام طرف بستانه، وهكذا استمرت الأحداث واستمر الشجب الدولي، حتى اكتشف ذلك الفلسطيني أنه لم يوفق في اختيار المحامي الذي يمثله في المحاكم الدولية.
ما الجديد في أحداث حي الشيخ جرّاح في القدس؟ من اجتهد في تحليل تلك الواقعة وما صاحبها من تطورات يكتشف التالي: لأول مرة تُتهم إسرائيل بأنها تمثل نظاماً جديداً لاضطهاد العرب، فمن يعيش في ذلك الحي حسب القانون الإسرائيلي هم مواطنون إسرائيليون لهم كافة الحقوق، لكن مجريات الأحداث بينت أن الحكومة المتطرفة استخدمت قواتها ضد مواطنيها، لذلك صرح وزير خارجية فرنسا بقوله: «مخاطر الفصل العنصري في إسرائيل كبيرة» الكلام نفسه تقريباً صدر عن هيومان رايتس، كما صوت برلمان أيرلندا بالإجماع وبدعم من الحكومة بالتنديد بسياسة إسرائيل الأخيرة.
ومن التصريحات النادرة الصادرة عن مارك بيري، وهو محلل سياسي في «معهد كوينسي للأبحاث»، في حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز»، قال إن عمليات الهدم والإخلاء كانت موجودة قبل أحداث الشيخ جرّاح، وهي مستمرة منذ عام 1967. والفلسطينيون يظهرون سندات ملكية الأرض، لكنها ليست بالضرورة مقبولة في المحاكم الإسرائيلية وختم تصريحه بقوله الدعم غير المشروط لإسرائيل، من شأنه أن يؤثر سلباً على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وفي السياق نقرأ مقال «ستيفن والت»، الأستاذ بجامعة هارفارد، نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بعنوان: «حان الوقت لإنهاء العلاقة الخاصة مع إسرائيل»، حيث كتب، «الولايات المتحدة يجب ألا تمنح إسرائيل بعد الآن دعماً اقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً غير مشروط، وأن فوائد هذه السياسة صفرية، والتكاليف مرتفعة ومستمرة في الارتفاع ونصح الولايات المتحدة بأن تبني علاقة طبيعية مع إسرائيل بدلاً من علاقة خاصة».
هذه التصريحات في الخارطة الدولية تقول لإسرائيل: أمامكم فرصة للمراجعة الذاتية، كما أتاحت اتفاقيات السلام العربية الجديدة للحكومة الإسرائيلية ميداناً لكتابة صفحات جديدة في تاريخها مع العرب، إنْ لم يتم استثمار ذلك إيجابياً، فإن تاريخ البشرية أثبت أن الحق لا غالب له.


* أكاديمي إماراتي