هناك قلق بالفعل من التضخم الذي يزيد في الولايات المتحدة الآن على 5 في المئة، في أعلى مستوى له منذ عقد. وارتفاع التضخم على امتداد العالم سيفاقم هذا القلق. فالأسعار ترتفع فعلياً في كل مكان هذا العام. وقد جاء في بيانات «منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي» أن التضخم يبلغ نحو 3 في المئة في منطقة اليورو، صعوداً من صفر في ديسمبر عام 2020. والتضخم يبلغ 4.5 في المئة وسط مجموعة العشرين التي تشكل دولها 80 في المئة من الإنتاج المحلي الإجمالي العالمي.

ومؤشر الصين لسعر المنتج الذي يقيس تكلفة السلع التي تباع للأنشطة الاقتصادية سجل في الأيام القليلة الماضية رقماً قياسياً بلغ 10.7 في المئة للشهر الماضي. والمؤشرات لا تبطئ الإيقاع، ما يوحي بأن التضخم سيظل قائماً على الأرجح، بل سيتزايد في المستقبل القريب. والصورة الكبيرة تغيب عن الخبراء الذين يرون أن الصدمات المؤقتة في الإمداد هي السبب. صحيح أن جائحة فيروس كورونا عرقلت أسواق العمل وسلاسل الإمداد، مما أدى إلى ما يمكن أن يكون عجزاً مؤقتاً في البضائع. فالناس يواصلون المزايدة على أسعار السلع التي بها عجز مما يؤدي إلى تضخم.

وهذه ظاهرة تؤثر بالتأكيد على زيادة الأسعار التي نشهدها، لكن مع معالجة هذه التقلبات يجب تلاشي هذه التأثيرات ببطء. غير أن صدمات الإمداد ليست على الأرجح السبب الرئيس لما نكابده. بل من شبه المؤكد أن المشكلة تتمثل في الدعم الهائل للطلب كنتيجة لإجراءات الإنقاذ من الجائحة.

فقد بالغت الحكومات على امتداد العالم في الاستجابة للجائحة وأغدقت الأموال على أنشطتها الاقتصادية ومواطنيها. وهذا تسبب في ارتفاع مدخرات الأسر بشدة مع توافر أموال أكثر مما تستطيع إنفاقها. وعلى سبيل المثال، كان متوسط معدلات الادخار في الاتحاد الأوروبي يتراوح بين 11 في المئة و13 في المئة في العقد المنتهي عام 2019، لكنه ارتفع ليسجل 25 في المئة أثناء الجائحة. ومدخرات الأسر الأميركية ارتفعت من متوسط عقدين تراوح بين 5 في المئة و7 في المئة إلى أكثر من 30 في المئة عام 2020. والآن ينفق الأميركيون هذه المدخرات على أي شيء متوافر، ولديهم أموال أخرى للإنفاق. وهذا هو السبب وراء تسجيل مبيعات التجزئة رقماً قياسياً مرتفعاً في الولايات المتحدة بلغ حالياً أكثر من 620 مليار دولار في العام.

وقبل الجائحة، كانت مبيعات التجزئة الأميركية تزيد بما يتراوح بين 20 و25 مليار دولار تقريباً في العام. وبلغت 526 مليار دولار في فبراير عام 2020. لكن زيادة 100 مليار دولار تقريباً في 18 شهراً تمثل أربعة أمثال معدل النمو الثابت منذ فترة طويلة. وهذه الزيادة حصلت على تمويلها إلى حد كبير من أربعة أنماط من شيكات التحفيز التي تلقتها الأسر من الحكومة دون اعتبار الحاجة إليها. والحقيقة أن هذا التصاعد الهائل غير المسبوق جاء في وقت كان الاقتصاد الأميركي مازال يوظف فيه عدد أقل، بواقع خمسة ملايين عامل عما كان عليه عدد العمال قبل الجائحة، ما يجعل موضع إلقاء مسؤولية التضخم أكثر وضوحاً. والاحتياط الاتحادي والبنك المركزي الأوروبي يشجعان هذا الجنوح في الإنفاق بشكل أكبر بالمحافظة على سعر فائدة منخفض بشكل مثير للسخرية.

ومازال الاحتياط الاتحادي يعتقد أن الاقتصاد بحاجة إلى دعم أساسي للتعافي من الركود الذي سببته الجائحة، مما دفعه إلى الحفاظ على معدله المعياري لسعر الفائدة عند 0 في المئة تقريباً. وكذلك البنك المركزي الأوروبي الذي يحافظ هو أيضاً على سعر فائدة عند صفر تقريباً، معتقداً أنه بحاجة لتشجيع مزيد من المستهلكين على الإنفاق. وهذا إذكاء للحريق مع الزعم بالسيطرة عليه. ومن السهل فهْم السبب الذي يجعل الحكومة تتغافل عن التضخم، فالمدينون يستفيدون دوماً من التضخم لأن المبالغ التي يحتاجون لسدادها ثابتة بينما المبالغ التي يحصلون عليها بالقيمة الاسمية للدولار تتزايد.

والحكومة اقترضت بشكل هائل لتمويل سياساتها الخاصة بالإنقاذ ومديونيتها المجمعة أكبر من أي وقت مضى. وبعد سنوات قليلة من تضخم «متواضع» يبلغ 5 في المئة سيتقلص جوهرياً عبء الديون مما يجعل التحكم في ميزانياتها العمومية أسهل.

والواقع أن الحكومات لجأت تاريخياً إلى التضخم أو تقليص قيمة العملة لإنقاذ نفسها من أخطائها المالية. المشكلة في هذا التوجه هو أن التضخم له تأثير مختلف تماماً على مواطني هذه الحكومات. فالأسر تميل إلى النظر إلى تأثير التضخم على نماذج استهلاكها وليس تأثيره على الميزانية العامة. فمع ارتفاع أسعار الغاز والغذاء والسكن، يشعر الناس بأنهم أفقر بصرف النظر عن ديونهم. والتضخم يعرقل خطط الأنشطة الاقتصادية لأن المالكين والمديرين لا يمكنهم التأكد من أن استثماراتهم ستحقق معدل ربح جيد. وكلا العاملين يقودان النشاط الاقتصادي إلى طرق غير منتجة ونحو تصاعد الاستياء.

وهذا يتجلى في نهاية المطاف في يوم الأدلاء بالأصوات الانتخابية، حين يتبنى الناخبون مناهج جديدة متشددة غالباً تعد بإنهاء الجنون الاقتصادي. والزعماء الماليون العالميون يريدون فيما يبدو تصديق أن كل شيء سيتحسن دون تغيير المسار، لكن زعماءهم السياسيين سيدفعون الثمن على الأرجح إذا اتضح أنهم على خطأ في نهاية المطاف.