للمعلومات قيمةٌ كبيرة ودور أساسي في هذا العصر، سواء في المجال العلمي أو العسكري أو حتى الاقتصادي وغيره. ودائماً لكل مجال هناك المختص والمتحدث، أي من يزودك بالمعلومات الدقيقة والصحيحة من مصادر موثوقة يمكن الاعتماد عليها، وذلك أمر ضروري خاصةً للجمهور المتلقي.

لكن للأسف في عصر مواقع التواصل الاجتماعي أصبحنا مشتتين وسط ضخ كبير لمصادر مختلفة؛ فالجميع يريد أن ينقل الأخبار ويعلق على الأحداث ويحلل، ويحاول توجيه الرأي العام، وأن يكون مؤثراً ومِن قادة الرأي في المجتمع، أو على أقل تقدير مِن زمرة المحللين وأصحاب الرأي، وهذه ليست المشكلة الحقيقية، بل المشكلة تكمن في أن البعض لا يمتلك المعرفة في المجال الذي يتحدث عنه، حتى أنه لا يقدِّم شيئاً يذكر أو معلومة تفيد أو رأياً سديداً.

وهذا أيضاً ليس بأزمة.. ولكن حين تقدِّم هذه الزمرةُ معلوماتٍ مغلوطةً ورأياً مضلِّلاً للجمهور في عصر مِن المفترض أن المعلومات فيه أصبحت متاحة للجميع وبكل يسر وسهولة. مشكلتنا في عصر المعلومات هو مدى مصداقية المعلومة، فسابقاً كان لا بد أن ندقق في كتب الاختصاص ونسأل أهل العلم ونبحث، أما الآن فبكبسة زر على محرك البحث «غوغل» مثلاً تحصل على الإجابة بسرعة أو ربما على موقع «يوتيوب»، حيث تجد مئات المحللين والمختصين، لكن المشكلة هي هل يمكن الأخذ بتلك المعلومات والثقة بها؟

بالتأكيد لا، فقد أصبح هناك كثير من المتسلقين الباحثين عن الشهرة وربما المال، يطرحون أنفسهم كأهل اختصاص وعلم ومعرفة، فتجد شخصاً لم يقرأ في كتب الدين أصبح مفسراً وداعية ومحللاً ومحرِّماً، وآخر يفتي في الطب وهو ربما لم ينه دراسته الثانوية، وآخر يخرج علينا في فيديوهات مسجلة ليقدم نفسَه كمحلل سياسي، يطرح الأفكار محوِّراً في المعلومات، وبدل أن يوضح الصورة يضلل.. والمأساة أنه جميعاً أصبح لهم معجبون ومتابعون.

المشكلة ليست فقط في الجمهور البسيط، لكن في بعض المنصات الإلكترونية الباحثة عن الانتشار والمتابعة، والتي تقوم بجلب بعض المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي كي تقدِّمهم على أنهم خبراءٌ في مجال الاقتصاد والطب والسياسة والثقافة والفن، ليعيثوا فساداً في عقل الجمهور، وبدل أن يحصل الجمهور على معلومة سريعة وناضجة في عصر المعرفة والمعلومات هذا، يضلَّل وتشوَّه معارفه، وأيضاً تلك ليست الطامة الكبرى، لكنها حين تتبنى جهات خبيثة تلك الشخصيات من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي وتسخِّرها لخدمة أجندتها، فيصبح أولئك أبواق يعملون لصالح تلك الجهات وعلى دراية بكونهم يضللون الجمهور عن سبق إصرار وترصد.

أي أننا بين نوعيتين؛ الأولى تضلل بسبب جهلها وبحثها المحموم عن الشهرة، والثانية تستغل تلك الشهرة لتضعها بيد جهات مغرضة وممولة. في عصر «السوشيال ميديا» كل ما تحتاجه هو قبول شكلي وكاريزمي، وقدرة على إقناع الجمهور من خلال إتقان الحديث والجدال، ويمكنك الانطلاق.

فقط قدِّم نفسَك على أنك خبير في هذا المجال أو ذاك، أو حتى خبير في كافة المجالات، وأحصد آلاف المتابعين وأطلق على نفسك اسم مؤثر وإعلامي أو ما تريد، وعلِّق على المواضيع المستجدة أو حتى الإشكالية وما يحلو لك، خاصة تلك التي تثير الرأيَ العامَّ، فإذَا بك متصدرٌ على مواقع التواصل والجميع يرغب بالحصول على خدماتك.

شخصياً، لست ضد النجاح، لكنني من أنصار أن يعمل كل شخص باختصاصه أو على أقل تقدير أن يطور نفسَه في اختصاص اختاره، فالمهم أن يقدم المعلومة والفائدة وليس كما يحصل في معظم الأحيان، حيث ينسحب أهل الاختصاص أمام البعض ممن يطلقون على أنفسهم اسم مؤثر أو مشهور.

* كاتب إماراتي