تُعد ألمانيا واحدة من أكبر الدول التجاربة في العالم. ففي 2019، استوردت ما قيمته 1.2 تريليون دولار من السلع من كل أنحاء العالم. نحو 2% فقط من ذاك المجموع كان مصدره روسيا، بل إن الاتحاد الروسي، الذي يناهز عدد سكانه 144 مليون نسمة، كان أهم بشكل طفيف فقط في التجارة الألمانية من أيرلندا، التي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة. وبالتالي، فإن المرء، عموماً، ربما لن يتوقع أن يكون لاضطراب للعلاقات الاقتصادية مع روسيا كبير تأثير على الاقتصاد الألماني. 
غير أن روسيا، للأسف، مورّدٌ رئيس لسلعة ستجد ألمانيا صعوبة في استبدالها: إنها الغاز الطبيعي. ذلك أن كل استهلاك ألمانيا من الغاز الطبيعي تقريبا يُستورد عبر خطوط أنابيب، ونحو 55% من الغاز يأتي من روسيا. 
هذا الوضع ما كان ينبغي السماح أبداً بحدوثه، والحق أن إدارات أميركية متعاقبة منذ إدارة رونالد ريجان كانت تحذّر ألمانيا وتنصحها بألا تسمح لنفسها بأن تصبح شديدة الاعتماد على نظام استبدادي (وشخصياً، كنتُ شاهداً على بعض تلك المناقشات خلال فترة عملي القصيرة في الحكومة، في 1982-1983). ولكن ها نحن ذا. وإذا كانت الدول الديمقراطية قد فرضت طيفاً واسعاً من العقوبات الاقتصادية على نظام بوتين، فإن القيود على مبيعات الغاز الروسي ما زالت غائبة بوضوح عن تلك القائمة. 
بيد أن التطورات الروسية أخذت تغيّر الحسابات السياسية للرد الغربي بسرعة. فقبل ثلاثة أسابيع، لم يكن من الممكن تصور السياسيين الألمان مستعدين لفرض أي معاناة حقيقية على ناخبيهم رداً على الهجوم الروسي. ولكن الآن هناك نقاشات جدية تجري حول ما إن كانت ألمانيا تستطيع فطم نفسها عن الغاز الروسي وإلى أي حد. 
والواقع أن تقليصاً صغيراً للاستهلاك يفترض ألا يكون صعب التحقيق. فنظراً لأن الغاز كان رخيصاً، فإن بعضه يُحرق حالياً بطرق ذات أولوية منخفضة، كما أنه من السهل الانصراف عنه بسبب ارتفاع أسعاره بعض الشيء و/أو بعض التقنين. غير أن التقليص الكبير مسألة مختلفة. 
دراسة مهمة جديدة أجرتها مجموعة من الاقتصاديين الألمان (هناك تسعة مؤلفين، ولهذا سأكتفي بالإشارة إليها بـ«دراسة باكمان والآخرين») تقدّر أن وقف واردات الغاز من روسيا سيتطلب تقليص استهلاك الغاز بنحو 30%، من نحو 900 تيراوات-ساعة إلى نحو 600 تيراوات-ساعة. لماذا ليس 55% ، وهي الحصة الروسية من الغاز الألماني؟ لأن ألمانيا ربما تستطيع الحصول على كمية أكبر شيئاً ما من الغاز من مصادر أخرى والحد من استخدام الغاز لتوليد الكهرباء عبر الاعتماد أكثر على الفحم والطاقة النووية (صحيح أنه ينبغي إنهاء استخدام الفحم تدريجياً من أجل إنقاذ أنفسنا من كارثة مناخية، ولكن ليس وسط حرب).
غير أن حتى خفضاً للاستهلاك بنسبة 30% سيكون هدفاً من الصعب تحقيقه بسرعة. ثم إن خفض الاستهلاك من 900 إلى 800 تيراوات-ساعة قد لا يكون بتلك الكلفة الكبيرة، ولكن خفضه من 700 إلى 600 تيراوات-ساعة، مثلاً، سيكون أكثر إيلاماً بكثير.
الاقتصاديون الألمان يركزون على مفهوم اقتصادي محوري يدعى «مرونة الاستبدال» – أي، كم من الطلب على الغاز الطبيعي سينخفض مقابل كل زيادة بنسبة 1% في سعره. فإذا كانت تلك المرونة متدنية، فإن المبلغ الذي سيكون الألمان مستعدين لدفعه مقابل كمية قليلة إضافية من الغاز حينما يتم تقليص الاستهلاك بشكل مهم كبير، ما يعني ضمنياً أن الكلفة الاقتصادية لمزيد من الخفض كبيرة أيضاً. وللأسف، التقديرات تشير إلى أن مرونة الاستبدال بالنسبة للغاز الطبيعي متدنية، على المدى القصير على الأقل. إنها ليست في مستوى الصفر: إذ نظراً لارتفاع أسعار الغاز، فإن الأُسر ستخفض أجهزة تنظيم الحرارة في منازلها، وسيكفّ المستهلكون عن شراء السلع التي يتطلب إنتاجها حرق كثير من الغاز الطبيعي، وما إلى ذلك. غير أن الأرجح هو أننا نتحدث عن مرونة تقدر بنحو 0.18، وهذا بدوره يعني أن سعر الغاز الطبيعي سيضطر للارتفاع بنحو 600% من أجل خفض الطلب بنسبة 30%. 
هذا يبدو رقماً كبيراً، ودراسة باكمان والآخرين تعمدت استخدام مرونة أكثر تشاؤماً هي 0.1. غير أنه حتى مع تلك الافتراضات المتشائمة، وجد معدّو الدراسة أن ألمانيا تستطيع في الحقيقة الاستغناء عن الغاز الطبيعي الروسي، تحديداً لأن البلاد تنفق حالياً القليل جداً على الواردات الروسية. صحيح أن الكلفة ستكون كبيرة: إذ إن الدخل الحقيقي الألماني قد ينخفض بنحو 2%، أي ما يعادل ركوداً معتدلاً، ولكن ذلك لا يعني نهاية العالم. 
قبل شهر من اليوم، لم يكن من الممكن تخيل عمل من هذا القبيل، ولكن يبدو أن بوتين بصدد تحقيق شيء لافت، ألا وهو تذكير ديمقراطيات العالم بما تمثّله وتنتصر له. وإذا كان قد دمّر سمعة روسيا كقوة عظمى عسكرية، فإنه الآن بصدد تقليص أي قوة اقتصادية كانت تملكها أيضاً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»