لا يزال صوت العقل وتغليب السلام هو المنطق الوحيد الذي سينهي الحرب الروسية الأوكرانية، ويجنِّب العالَمَ تبعات هذه الحرب التي إن لم تتوقف فسنشهد أزمةً اقتصاديةً غير مسبوقة، فالعالم الذي انتظر انتهاءَ وباء كورونا أو انحساره وعودة الاقتصاد المغلق في كبريات الدول للعمل من جديد، توقَّع أن تكون هناك انطلاقة سريعة وانفتاح كبير في الأسواق، وعودة قوية للتعافي من التبعات الاقتصادية للوباء، لكن للأسف بدأت حرب غير مسبوقة في القرن الحالي، حرب كان يمكن تجاوزها لو ذهبت الأطراف للتفاوض.

لكن النتيجة كانت كارثية، فالمواجهة نقلت العالَمَ إلى مرحلة جديدة في حرب إن طالت، ويبدو أن جميع المؤشرات تتجه إلى تغليب طول عمر هذه الحرب، فقد تتحول إلى حرب استنزاف بين القوى الكبرى، ومن سيدفع الثمن الأكبر هو الدول الصغيرة ومحدودة الإمكانيات. تخيل أن الحرب التي لم تتجاوز مدتها شهرين بعد، لكنها تسببت في أضرار مليارية، فعلى الجانب الأوكراني فقط قدَّر البنك الدولي أضرارَ البنية التحتية الأوكرانية بما يتجاوز 60 مليار دولار، وهي أضرار مرشحة للارتفاع، فيما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده تحتاج إلى سبعة مليارات دولار شهرياً لتعويض الخسائر ومئات مليارات الدولارات لإعادة الإعمار. بينما قال رئيس البنك الدولي إن توقعات النمو العالمي ستنخفض العام المقبل إلى 3.2٪ وإنه يجب إعداد حزمة من 170 مليار دولار لمساعدة الدول المتضررة، وخاصة في ظل الأزمات الغذائية والإنسانية، مما يدفع العالَمَ إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

بعض المحللين الاقتصاديين، وكذلك كبريات الصحف الأميركية، يتحدثون عن صراع اقتصادي عنيف بين الدول الكبرى المسيطرة، ويلمحون إلى تغيير في تشكيل القوى العالمية أو طرق الهيمنة. فمع العقوبات الغربية ضد روسيا، والتي امتدت إلى كافة الجوانب واستُخدم فيها الدولار كورقة ضغط، ولعلها سابقة أن يتم الضغط على دولة كبيرة ولها وزنها العالمي عن طريق الدولار.. وصل الأمر بصحيفة «الفايننشال تايمز» إلى التحذير من أن الحرب الدولارية ربما تقحم النظام المالي العالمي في أزمات تقلب الوضع وتخلق نظاماً عالمياً جديداً.

ورقة النفط أيضاً تلعبها الأطراف جميعاً بهدف الضغط والتأثير، فروسيا تصدِّر الطاقة لأوروبا التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، وهذا الملف دخل في الصراع بشكل مباشر، فبعد سلسلة العقوبات الأميركية التي طالت بنوكاً روسيةً وشخصياتٍ كبرى، كان الرد الروسي غير متوقع، إذ فرضت موسكو تسعير الغاز والنفط الروسيين بالروبل، لتهدد مخزونات الطاقة في دول أوروبية كبرى على رأسها ألمانيا. ولم تكتفِ روسيا بذلك، بل أيضاً بدأت التخلص من مخزونها من الدولار الأميركي، فيما تصعّد واشنطن من خلال البحث عن مصادر طاقة بديلة، وكذلك توفير النفط والغاز لأوروبا من مصادر أخرى، لكن كل ذلك سيحتاج لسنوات.

كل ما ذُكر يثير الخشيةَ من أزمة اقتصادية كبيرة، وهذا حسب محللين اقتصاديين واردُ الحدوث وليس مستبعداً، وقد ترافقه أزمةٌ غذائيةٌ تطال دولاً فقيرةً، خاصة تلك التي تعتمد غذائياَ على واردات القمح والمنتجات الأساسية الأخرى من روسيا وأوكرانيا. وقد انعكس ذلك في نقص السلع الغذائية وارتفاع أسعارها، وهو ارتفاع وصل إلى الولايات المتحدة نفسها، حيث ارتفاع الأسعار هناك على أشده.. مما يدفع الجميع للبحث عن حل لهذه الأزمة التي تحتاج إلى التعقل وتشجيع التفاوض بين كافة الأطراف، وإيجاد حلول يقبلها الجميع كي تنتهي ويتنفس العالَمُ الصعداء.

*كاتب إماراتي