كان ثمة زمن كنت أعتقد فيه أنه مع مرور الوقت، ستنضج أميركا مع تقدم السن وستختفي منها العنصرية.. لكن يا لسذاجتي! ذلك ما اعتقدته في نفسي في خريف 1954، بعد خمسة أشهر على حكم المحكمة العليا ضد الفصل العنصري في المدارس، عندما علمت أن الطلاب الذين يدرسون في المدارس الثانوية التقنية إيسترن وأناكوستيا وماكينلي في واشنطن، والتي كانت مدارس للبيض فقط، وعدداً من المدارس الثانوية البيضاء الأخرى، أضربوا احتجاجاً على تسجيل طلاب سود في مدارسهم. كنت مسجلاً في ثانوية دونبار التي يدرس فيها السود في واشنطن آنذاك. كنت أظن حقاً أن الدمج العرقي يمثل خطوة نحو المساواة الكاملة، وأن المضربين سيتخلون عن خوفهم وغضبهم بعد عدة شهور. لكن بدلاً من ذلك، خصصوا، ومعهم عائلاتهم، الوقت المتبقي قبل قدوم الطلاب السود لإيجاد طرق للفرار من المدينة.
عندما كان طلاب وذووهم يهتفون في 1956 بألقاب ونعوت مسيئة ضد شابة سوداء اسمها «أوذرين لوسي»، حاولت دخول جامعة ألاباما لنيل شهادة في علم المكتبات، ويرمونها بالبيض الفاسد والحجارة.. كان عزائي هو أن قاذفي البيض والألقاب المسيئة سيكبرون ويتقدمون في السن ويخرجون من الصورة. وحتى عندما قامت جامعة ألاباما بطرد لوسي، بدعوى الخوف على سلامتها، قلت في نفسي إن هؤلاء الكبار سيخرجون من المشهد يوماً ما.
والفكرة نفسها راودتني في خريف 1957، عندما استدعى حاكم ولاية أركانسو أورفال فوبس الحرسَ الوطني لتطويق المدرسة الثانوية المركزية في مدينة ليتل روك لمنع تسعة طلاب أميركيين أفارقة من حضور مدرسة للبيض، قائلاً: «إن الدماء ستراق في الشوارع» إذا حاول طلاب سود الدخول.
كنت أظن أنه يوماً ما سينتهي ذلك لأنه يوماً ما سيموت الأشخاص مثل أورفال فوبس وسيرحلون. لكنهم كانوا ما زالوا موجودين بعد سنوات على ذلك. ففي ولاية ميسيسيبي صيف 1964، كان مايكل شورنر وآندرو غودمان، وهما شخصان أبيضان من نيويورك، وجيمس تشيني، وهو أسود من ولاية ميسيسيبي، في الولاية يساعدون في تسجيل الناخبين. لكن شورنر وغودمان وتشيني اختفوا في طريق عودتهم من تحقيق في إحراق كنيسة أميركية أفريقية على يد جماعة الـ«كيو كلاكس كلان» البيضاء العنصرية. وقد اكتُشفت جثثهم لاحقاً مدفونة في سد طيني بالقرب من فيلاديلفيا، ميسيسيبي.
ورغم كل هذه الأحداث، بقيت متمسكاً باعتقادي بأنه لأن هؤلاء الرجال والنساء البيض المصممين على تحويل حياة الأشخاص المختلفين عنهم إلى جحيم يتقدمون في السن، فإنهم سيرحلون عن هذه الدنيا قريباً وسيحل محلهم جيل شاب من الأميركيين البيض أكثر تفتحاً وتسامحاً عرقياً. وخلافاً للكثير من كبار السن، فإن هؤلاء الشباب سيكونون متحررين من الأفكار العنصرية المزروعة، هكذا قلت في نفسي.
لكن يا لسذاجتي. إن التعصب لا يزول مع مرور الزمن، والأدلة على ذلك عديدة.
فهذا ديلان روف، العنصري الأبيض الذي قتل تسعة أشخاص سود من مرتادي كنيسة في تشارلستون، كارولاينا الجنوبية، في 2015 رمياً بالنار، من بينهم قس وسيناتور في برلمان الولاية، كان عمره وقتئذ 21 عاماً.
وهولدن ماثيوز، المتهم بحرق ثلاث كنائس سوداء في ولاية لويزيانا قبل أسبوع على عيد الفصح، كان عمره 21 عاماً.
وجون أرنيست، المتهم بإطلاق نار قتلَ شخصاً وجرح ثلاثة آخرين في كنيس في بووي، كاليفورنيا، قبل بضعة أسابيع على إحراق متعمد لمسجد بمقاطعة سان دييغو، كان عمره 19 عاماً.
إن التعصب مرض يصيب العقل وعدوى سامة لا تعترف بالسن أو الزمن أو الفضاء. وهو قابل للانتقال وقادر على الانتقال من الكبار إلى الصغار، ومن مجموعة إلى أخرى، عرقية كانت أم دينية.
أسقف واشنطن المعين حديثاً، ويلتون دانييل غريغوري، يصف العنصرية بأنها «مرض أخلاقي خطير ينبغي أن يخيف تكرارُه وشراسته واستمراره كلَّ واحد منا».
واللافت بشأن مرض اليوم، كما كتب غريغوري في مقال في ديسمبر 2016، هو أنه «قد يبدو أنه تمت السيطرة عليه»، وأنه في حالة تراجع.
وعلى نحو يشي بالتبصر وبعد النظر، كتب غريغوري: «لقد عدنا إلى لحظة في تاريخ بلدنا يتم فيها التغاضي عن المشاعر العنصرية والتسامح مع التعبير عنها ونشرها».
إن الرد الذي يدعو إليه غريغوري اليوم يعكس الشعور الذي كان ينتابني في فترة شبابي: «التبرؤ من أي بقايا عنصرية وكراهية لأشخاص آخرين بسبب العرق أو الدين أو الوضع القانوني أو النوع».
والحاصل أن استئصال هذا الداء وتحصيننا منه هو أملنا، والتحدي الدائم الذي يواجهنا جميعاً. والأكيد أن الكراهية لن تتخلى عن نفسها مع مرور الزمن.


*كاتب وصحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»