استكشفت المقالة السابقة كيف يشكّل الأمن أولوية بنظر المخططين الحكوميين، وهو يعني أمن سلطة الدولة ودوائرها الانتخابية الأساسية، في إشارة إلى ضرورة حماية السياسة الرسمية من تدقيق العموم. وفي هذا السياق، يناسب وصف الأفعال الحكومية على أنها تنم عن الكثير من العقلانية، بما يشمل عقلانيّة الانتحار الجماعي، حيث إن الدمار الفوري بالأسلحة النووية، لم يتبوأ يوماً مكانة هامة بين مخاوف السلطات الحكومية. ولنأخذ مثالاً على ذلك من أواخر الحرب الباردة: ففي نوفمبر 1983، أطلقت منظمة «الناتو» التي تترأسها الولايات المتحدة، تدريبات عسكرية هدفها امتحان الدفاعات الجوية الروسية، عبر محاكاة لهجمات جوية وبحرية، بل أطلقت إنذاراً نووياً. وأُجريَت هذه التدريبات في مرحلة من التوتر الشديد، ونُشرَت خلالها صواريخ «بيرشينج2» الاستراتيجية في أوروبا، بينما أطلق ريجان مبادرة الدفاع الإستراتيجي «حرب النجوم». ومن الطبيعي أن تثير هذه التدريبات ذعراً كبيراً في روسيا، التي كانت منكشفة على الكثير من المخاطر. وتكشف أرشيفات صدرت حديثاً أن تدريبات «الناتو» كادت تتحوّل إلى مقدّمة لضربة نووية (روسية) وقائية، وفقاً لتقرير وضعه ديمتري أدامسكي السنة الماضية في مجلة «الدراسات الاستراتيجية». ولم تكن تلك الحالة الوحيدة التي نجونا فيها بأعجوبة. ففي سبتمبر 1983، رصدت أنظمة الإنذار المبكر في روسيا هجوماً بالصواريخ من الولايات المتحدة، وأرسلت إنذاراً عالياً. وكان البروتوكول العسكري السوفييتي يستعدّ للردّ عبر شنّ هجومه النووي الخاص. لكن ستانيسلاف بتروف، الضابط السوفييتي في الخدمة آنذاك، خمّن زيف الإنذار فلم يبلغ رؤساءه. وبفضل إهماله بقينا على قيد الحياة. لاشكّ أن أمن الشعب لم يكن من أهم أولويات مخططي ريجان، علماً بأنّ هذا الاستهتار لا يزال مستمراً، وعلى خلفيته يتم تهميش عدد كبير من الحوادث التي تكاد تكون كوارث، وهذا موضوع مراجعة في كتاب جديد ومثير بعنوان «القيادة والسيطرة: الأسلحة النووية، وحادث دمشق، ووهم السلامة»، لإيريك شلوسر. وثمّة استنتاج آخر يصعب نقده، توصّل إليه الجنرال لي باتلر، آخر مسؤول للقيادة الجوية الاستراتيجية، أفاد بأن البشرية نجحت في الصمود حتى الآن خلال العصر النووي «بفضل مزيج من المهارة، والحظ، والعناية الإلهية. ولعلّ الأخيرة أهمّ عنصر سمح لنا بالبقاء على قيد الحياة». وفي عام 1995، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بوقت طويل، أصدرت القيادة الاستراتيجية الأميركية «ستارتكوم»، المسؤولة عن الأسلحة النووية، دراسة بعنوان «أساسيات الردع ما بعد الحرب الباردة»، يشير أحد استنتاجاتها إلى «ضرورة إبقاء الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لتسديد أوّل ضربة نووية، حتى ضد دول لا تملك سلاحاً نووياً، إلى جانب ضرورة توافر الأسلحة النووية باستمرار، لأنها تلقي بظلال على أي أزمة أو صراع». وبالتالي، تُستَعمَل الأسلحة النووية كما يستعمَل مسدس يصوب إلى الآخرين من دون إطلاق النار عند سرقة أحد المتاجر! وإلى ذلك، توصي «ستارتكوم» «بعدم توخي المخططين مواقف بالغة العقلانية، لدى إقدامهم على تحديد الأمور التي يعتبرها الخصم قيمة»، وهي أمور يجب استهدافها كلّها. «وكم يؤلم أن نصور أنفسنا على أنّنا متعقلون وهادئون إلى أقصى الحدود. ولاشك أن احتمال تحول الولايات المتحدة إلى دولة غير متعقلة وانتقامية، في حال التعرض لمصالحها الحيوية، يجب أن يشكل جزءاً لا يتجزأ من شخصيتنا القومية التي نصورها لجميع خصومنا». وأضافت: إن «مكانتنا الاستراتيجية ستستفيد إن بدت بعض العناصر وكأنها خارجة عن السيطرة»، وبقيت تهدد دائماً بحصول هجوم نووي. وتكاد خطط المستقبل تخلو من أي وعود إيجابية. ففي ديسمبر، نقل مكتب الموازنة في الكونجرس أن تكاليف الترسانة النووية الأميركية ستصل إلى 355 مليار دولار خلال العقد المقبل. وفي يناير، أشارت تقديرات «مركز جيمس مارتن لدراسات الحد من الانتشار النووي» إلى أن الولايات المتحدة ستنفق تريليون دولار على الترسانة النووية في السنوات الثلاثين المقبلة. وعلى صعيد الأسلحة النووية، نعرف مبدئياً كيف يمكن إزالة خطر قدوم نهاية العالم: علينا التخلص منها. لكن خطراً كبيراً آخر يلقي بظلاله على أي تأمل على صلة بالمستقبل، ويتمثل بكارثة بيئية. ولم يتضح حتى إن كنا سنجد مخرجاً منها، ولكن كلما أجلنا الأمور تفاقم الخطر المحدق. وبالتالي، يمكن تحديد مدى التزام الحكومات بأمن شعوبها بالنظر إلى كيفية معالجتها لهذه المسألة. اليوم، تتحدث الولايات المتحدة بتباهٍ عن «مئة سنة من الاستقلال في مجال الطاقة»، مع تحول البلاد إلى تصدير النفط خلال القرن المقبل، والذي قد يكون آخر قرن للإنسانية في حال بقيت السياسات الراهنة على حالها. ويمكن أن نعتمد خطاباً ألقاه أوباما منذ سنتين في مدينة كوشينج النفطية في أوكلاهوما، كحكم بإبادة الفصائل الحية. فقد أعلن بفخر أنه «في ظل إدارتي الحالية، أنتجت الولايات المتحدة نفطاً يزيد عن أي وقت مضى. وخلال السنوات الثلاث الماضية، وجهتُ إدارتي لتستكشف ملايين مكامن النفط والغاز القابلة للتنقيب في 23 ولاية. ونحن نستكشف أكثر من 75 في المئة من موارد النفط المحتملة لدينا في البحر. وقد رفعنا عدد الحفارات العاملة أربعة أضعاف، حتى بلغ عددها رقماً قياسياً. وأضفنا ما يكفي من أنابيب النفط والغاز لتطويق الكرة الأرضية وأكثر». وتجدر الإشارة إلى أن قطاع الشركات يواصل حملات دعائية كبرى هدفها إقناع العموم بأن التبدل المناخي ليس ناتجاً عن النشاط البشري، وذلك لتخطي التفكير المنطقي المفرط في أوساط العموم، والذي يبقى قلقاً إزاء التهديدات شبه المؤكّدة. وإن أردنا توخي الصراحة التامة، فإن الحسابات الأخلاقية لرأسمالية اليوم تعتبر أن الأرباح الكبرى التي سنحققها اليوم تزيد أهمية عن مصير أحفادنا. لكن إنجازات الذين ناضلوا طوال قرون للمزيد من الحرية والعدالة، تترك لنا إرثاً يمكننا التصرف به والمضي قدماً، وهو أمر ضروري إن أردنا الإبقاء على فرص النجاة. وما من أمر يخبرنا بفصاحة أكبر عن أي نوع من المخلوقات نكون. نعوم تشومسكي أستاذ اللسانيات والفلسفة في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»